Home | Make a FriendPage! | Member Login | Browse Pages | Help

alandalos







Views



الاندلس

أمنيـة النبـــي

جلبير غرانغيوم

--------------------------------------------------------------------------------

ما من إنسان إلا ويرفض آخر مَّا. وهذا الآخر غالباً ما لا يكون سوى القِسْمةِ الحميمية منهُ هو نفسه التي لا يقوى على احتمالها. لكنَّ هذا النبذ، هذه الصلة الخاصة التي يقتضيها مع القسمة المرفوضة، هو الوسيلة الوحيدة التي يجدها الإنسان الرَّافِض للحفاظ على شيء ما منه. شيء في أعماق نفسـه.

لكل ثقافة آخَرهَا. وَهذا الآخر يُقْذَفُ به في الفضاء، يُحْصَرُ داخل حدود، وَيُحَدَّدُ بإسم. إنه حميمي وناءٍ في آن واحد. وآخَرُ عالمِنَا الغربي المتوسطي هو العالمُ العربي. في نسخته الحديثة هو الجزائر نموذجيا. وفي نسخته الأصلية هو الإسلامُ نقيضُ المسيحية. علما بأن تاريخ الديانتين، قبل الحروب الصليبية، متداخل في كُتُبٍ واحدةٍ وأساطير واحدة.

الآخرُ في الثقافتين معا، الإسلامية والمسيحية، هو الشيطان أوَّلاً وقبل كل شيء. فنصوصُ الإنجيلَيْنِ تقصُّ حكاية فتنة المسيح، والنصوص العربية تذكر قصة «الآيات الشيطانية»[1]. وهما قصتان لا يمكن التحقق من وقوعهما و«صحتهما»، كما لا يحتملهما أولئك الذيـن يُمَثِّلُونَ اليوم حُرَّاسَ الـمعبد.

أسْطُورَتان تحُزَّانِ في نفوس المؤمنين، لكنهما رغم كل شيء توجدان في مصادر تاريخهم، في حكايات أصولهم. أسطورتان تحكيان انبثاق الرغبة، ثم إبعادها[2]. لكن، ألا تنخرط هذه العلاقـة بالآخـر أوَّلاً في الاعتراف بالفرق بين الجنسين، وتحديدا في اعتراف الرجل بالآخر المؤنث؟

فيما وراء الضَّجَّة التي نفخت فيها وسائـل الإعلام، وخارج القلق الذي أحَسَّ به المسلمون فيما يخص التعامل الاجتماعي مع ديانتهم، تَطْرَحُ قضيةُ «الآيات الشيطانية» المشكلةَ التاليةَ: وهي مسألة طفح القضايا الكبرى - التي طُرِحَتْ منذ البدء - على واجهة حياتنا المعاصرة، وهي قضايا لا تكف عن مساءلة الأفراد والمجتمعات. وبالنظر إلى الإنفعال العميق الذي أحدثته هذه القضية، يمكن طرح السؤال التالي: أي شيء تمسُّه هذه الآيات (أو الكلمتان أو الحرفان) في أعماق حياة الماضي والحاضر، شيء من الأهمية والحيوية بحيث صادف في الحياتين معا، الماضية والحاضرة صدىً مثل هذا؟

لا يمكن للدراسة الحالية أن تتناول القصة التي نحن بصددها من الزاوية التارخية: فحقيقتها مُنْفَلِتَةٌ منَّا نهائيا، وسيظل مستحيلا إلى الأبد معرفةُ هل جرَتْ فعلا أم لا؟[3]. كما لا نودُّ إطلاقا وضعَ السِّجَالِ في المنظور الديني، وهو منظور «حقيقة» الإسلام والرِّهان الذي يحتمل أن تنطوي عليه تلك القصة. والحقيقة الوحيدة لهذه المسألة هي أنه يتم الحديث عنها، هي أن الخبر في ذاته تَتَنَاقَلُهُ المصادر العربية منذ زمن طويل. فقد نقله فقهاءٌ بالرغم من انزعاجهم منه: ومعنَى ذلك أنها تتضمَّنُ رسالةً تتطلَّبُ الإنصات إليها. رسالة يبدو جيدا أنها تهُمُّ مسألة اختلافِ الجنسين ودلالتـِـه.

ملخـص القضيــة:

خلال المرحلة الأولى من رسالة النبي محمد (وتسمى بالحقبة المكية لأن مكة شَكَّلَتْ مسرحها إلى حدود سنة 622م) تعرَّضَ الرسول لِعَدَاوَةٍ كبرى لأنه اقترَحَ عبادة إله واحد، هو الله، في مدينة تعبدُ آلهة متعددة، فتمنَّى أن تتقلَّصَ المعارضة التي كان يلقاها هو وأتباعـه.

ويُقال إنَّه قد تَلاَ علانيةً، في تلك الظروف، ما يُسَمَّى بالآيتين «الشيطانيتين»، وهما آيتان تَعْتَرفَان بإلهاتٍ ثلاثٍ. وبعد ذلك بمُدَّةٍ لا نعرف كَمْ قَدْرها، أعْلَنَ الرَّسُولُ أنَّ تلك الآيتين لا تدخلان ضِمْنَ ما أوحِيَ إليه. وبقدر ما ابتهج خصومه لاعترافهِ بآلهتهم حقدوا عليه حقدا كبيـرا بعدَ تخلِّيهِ عنها. ويَعتبرُ الفقهُ الإسلامي أنَّ تلك الآيتين ألقاهُمَا الشيطان على لسانِ النبي، وأنَّ جبريل هو الذي ساق الرسول إلى إلغائهما[4].

ولكون هاتين الآيتين قد نُسِخَتَا فهُمَا لا توجدان في النص القرآني، اللَّهُمَّ في «نقطة اشتباكهما»، وهي ذكر أسماء الإلهات الثلاث. وقد وصلتنا هذه الآيات عن طريق التقليد العربي المتمثل في نصوص المؤرخين ومفسري القرآن.

• السيــاق القرآني:

يتعلق الأمر في هذه القضية بمقطعين قرآنيين: الأولُ سورةُ النجم (19-20)، والثاني سورةُ الحج (51-52). وأولى السورتين هي مكان وجود الآيتين المنسوختين قبل أن تنزل السورة الثانية لتُبَرِّئَ الرسول ضمنيا من هذه «الفَلْتَةِ لِلِّسَانِ«. وما يو حي بذلك هو أنَّ مفسري القرآن إنما يعرضون هذه القصة في سياق شرح هذه الفقرة بالضبط. ولولا هؤلاء المفسرون لربما كان هذا الحدث قد مُحي نهائيا من التاريخ. وأقدم هؤلاء وأشهرهم هو الطبري المتوفى سنة 923م/310هـ[5].

ســورة النجـــم

حسب ما يُوردُه الطبري، لقد قرأ الرَّسولُ هذه السورة على مسامِع جمعٍ من أهل مكة يضمُّ المسلمين والكفار. ذكَّرَ الرسول أوَّلاً بصحَّة رسالتـه: فهو لم يضل، بل بالعكس «قد رأى عَلامات ربه الكُبرى»، ثم واصل:

«أَفَرَايْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى، وَمنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى،[تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى، وأَنَّ شَفَاعَتُهُنَّ تُرْتَضَى][6]. أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى، تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى، إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَـا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى، أَمْ لِلإنْسَانِ مَا تَمَنَّى» (النجم: 19 - 24).

[الترجمة الفرنسية:]

19. «Avez-vous considéré al-Lât et al-’Ozza

20. et Manât, cette troisième autre

20. bis Ce sont les Sublimes Déesses

20. ter et leur intercession est certes souhaitée

21. Avez-vous le Mâle et, Lui, la Femelle!

22. Cela, alors, serait un partage inique!

24. L’Homme a-t-il ce qu’il désire?

25. A Allah appartiennent la (Vie) Dernière et Première.

23. Ce ne sont que des noms dont vous les avez nommées, vous et vos pères; Allah ne fit descendre, avec elles, aucune probation. Vous ne suivez que votre conjoncture et ce que désirent vos âmes alors que certes, à vos pères, est venue la Direction de leur Seigneur»[7]

والآيتان الشيطانيتان في هذه الترجمة هما 20ب و20ج. وقد تم حذفهما من النص القرآني. والآية 23 التي تُكَسِّرُ الإيقاع والسَّجْع تُعتَبَرُ لاحِقَةً.

سـورة الحـــج:

في هذه السورة يجدِّدُ الرَّسُول تأكيد رسالته أمام تمادي المشركين في كفرهم، فينزل الوحي:

«وما أرسلنا من قبلك من رسول ولانبي إلاَّ إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم. ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد» (الحج: 51 - 52).

ما يوحـي به هذان النـصان:

من خلال ما تُورِدُه الرِّوَايات المتعلقة بهذه الآيات يبدو أن الرَّسُولَ مُحَمَّداً قد رَاوَدَتْهُ نفسُهُ، إرضاءً لقومه أو تخفيفا عن أتباعه، أن يمنح إلهاتٍ ثلاثٍ مَحَلِّيَّاتٍ، هُنَّ اللاَّت والعُزَّى ومَنَاة، مكانة بجانب الله. بل يَرِدُ في بعض هذه الروايات أن النبي قَرَأ عَلاَنِيةً هذه الآيات التي تَعْتَرِفُ لَهُنَّ بوضع اعتبارِيٍّ إلَهِيٍّ.

بهذا المعنى فَهِمَ التَّقْلِيدُ الفقهي كلمة غرانيق التي تترجم إلى الفرنسية بآلهات، ويعني مفردها حرفيا «كـُرْكِيّاً»[8].

يرى جمهور الفقهاء أنَّ ما مَطْرُوحٌ هنا هو مسألة التوحيد أو تعدد الآلهة. لقد فهموه ضمن هذا المنظور، بدون أي شك، كما يشهـد بذلك رَدُّ فِعْلِ مفسري القرآن.

ومع ذلك، فسياق الآيات المباشر يحمِلُ على النِّزَاع. والآية التالية صِيغَتْ على هذا النحو:

«أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنثى» (النجم: 21)

وتُرجِمتْ إلى الفرنسية كما يلي:

«Le mâle est-il pour vous, et pour lui la fille?»[9].

«Le mâle serait-il pour vous, et pour lui la fille?[10].

«Il vous reviendrait le mâle et lui la femelle?»[11].

ولهذه الآية صلة بآية أخرى هي:

«أمْ لَهُ البَنَاتُ وَلَكُمُ اٌلْبَنُــونُ» (الطـور: 39).

إذا كان النص العربي في الآية الأخيرة يستعمل مصطلحات نوعية لتسمية البنات (les filles) والبنين (les fils)، فإن التقابل في الآية الأولى يَقُومُ فِعْلاً بين المؤنث والمذكر. ومفردة ذَكَر تفيد أيضا معنى «العضو الجنسي المذكر» ومعنى «الإشارة التي تُذَكِّرُ».

أَبِنِسَاء يتعلَّق الأمرُ في هذه المسألة أم بإلهاتٍ؟ لماذا يقع التركيز في هذه الـمجادلة - التي تقابل بين إله واحدٍ وإلهاتٍ متعددات - على تَفَوُّق الذَّكَر؟ أيّ صِلةٍ توجد بين اختلافِ الجنسين وتَرَاتُبِهِمَا والوحدةِ التي مَدَارُ التَّوحِيدِ فيها تأكيدُ أن الواحد هو الواحد؟

لقد طرَحَتْ نيكول لورو هذا السؤال في دراستها التي تحمل عنوان «ما هي الإلهة؟»، والتي تتساءل فيها عن الدلالة التي تحملها الآلهة الذكور والإناث في الميثولوجيا الإغريقية، فاستنتجتْ أنَّ الإلَهَة في هذه الأساطيـر ليستْ امرأة، وإنما هي إلهٌ مؤنَّثٌ. لكن هناك أيضا، مُقابلَ الألوهيةِ الفرديةِ الألُوهيةُ «المتعدِّدَةُ» أمثال المويراي[12] والإرينيات[13] التي تُعَدُّ واحِدَةً ومُتَعَدِّدَةً: ورقم ثلاثة - فيما وراء الوحدانية والمثنوية - هو مبدأ التَّعَدُّد. وفيما وراء هذه التعابير ترتسم صورة الأمومة: الإلهة الأم الكبرى التي تعلو سائـر الآلهة وتُرْجِعُ إلى الأصل. وتضيف نيكُول لورو: «أما أنا، فأقـول إن الإلهة الأم العظيمة هي استيهـامٌ[14]. استيهامٌ قويٌ جدا، له قدرة مدهشة على المقاومة[15]، وبخصوص هـذه الصُّورَة «الوحيدة والأمومية»، تحيل المؤلفة على نص لفرويد يتناول نظامـا أموميـا بدائيا:

«وفي مرحلة من هذا التطور، يصعب تحديدها، ظهرت الآلهة المذكرة، والتي استمرت قائمة إلى جانب هذه الأخيرة حقبة مديدة من الزمن. وفي أثناء ذلك، حدث انقلابٌ اجتماعي هائل: فقد دبَّت الحياة من جديد في نظام الأبوة، وأطيح بنظام الأمومة. والحق أن الآباء الجدد ما كانوا أقوياء بمثل قوة الأب البدائي. فقد كان تعدادهم كبيرا، وكانوا يعيشون في جماعات أوسع وأكبر من العشيرة البدائية. وكان لزاما عليهم أن يتفاهموا فيما بينهم وأن يضعوا الأسس لبعض القواعد الاجتماعية التقييدية. ومن المحتمل أن تكون الآلهة الأمومية قد ظهرت يوم وضع حد لنظام الأمومة، وذلك تعويضا على الأمهات المخلوعات. وقد صُورت الآلهة المذكرة في البداية في صورة أبناء بجانب أمهاتهم القويات، ولم تتلبس هذه الآلهة الوجه الأبوي إلا في زمن لاحق. والحق أن الآلهة المذكرة تعكس شروط المرحلة الأبوية: فقد كانت كثيرة التعداد، ملزمة بتقاسم السلطة فيما بينها، بل منصاعة في بعض الأحيان لإله أعظم قوة منها. وبذلك لا تعود بيننا وبين الموضوع الذي يشغلنا هنا سوى خطوة تالية واحدة: العودة إلى إلهٍ ربٍّ أبٍ، واحدٍ، أوحـد، كلي القدرة.»[16].

أن يَكُـونَ المـرءُ اثْنَيْـنِ

في الآية الثانية، يُقَالُ بصدد الإلهات: «وإنَّ شفاعتهن تُرْتَضَى» (الآية 20 في ترجمة بلاشير). وقد تُرجمتْ كلمة شفاعة العربية إلى الفرنسية بـلفظة «intercession» التي تدل فيها على المعنى نفسه.

غير أن المعجم العربي لسان العرب لابن منظور[17] يقدم لهذا الجذر (شفع) سِلْسِلَةً من المعاني التكميلية[18]. وأول هذه المعاني هو «الزوج» خِلاَفُ «الوتر». وتتضمَّنُ سورة الفجر (الآية: 3) دعاءً بـ«الشفع والوتر». ويرى بعض المفسرين أن «الوتر هو الله والشفع خلقه»، أو «الوتر آدم وشُفِعَ له بزوجته»، و«ناقة شافع: في بطنها ولد يشفعها».

ورغم أن كلمة «شفاعة» تتردد في القرآن بمعنى «الدُّعَاء أو التشفُّع»، فإنَّ معناها مع ذلك يُرْجِعُ إلى فكرة الزوج، أي إلى فكرة الذكر والأنثى، وبكيفية أدق إلى فكرة الأم وولدها. ويمكن أن نرى فيه الوُصُولَ إلى الأوحَد من قِبَلِ من هو أقرب إليه لدرجة تشكيل «اثنين» معه. الشفاعة تثيرُ معنى الإزوَاجَ أو القَرْنَ: أنْ «تشفَعَ» الإلهاتُ اللهَ (الذي يُعْتَبَرْنَ بمثابة بناته)، أو أن «يَشْفَعَ» البَشَرُ الإلَهَاتِ (اللواتي تُعتَبَرْنَ بمثابة أُمَّهَاتٍ لَهُمْ)، بما أن هذا »الإزواجَ» يُوجَدُ في أسَاسِ الشفاعة. وبذلك قد تكون الرِّسَالة أيضا هي: «وشَفَاعَتُكُمْ وإياهُـنَّ تُرْتَضَى».

تحـاشـي النسيـــان

تَتَضَمَّنُ إحدى روايات الآيتين «الشيطانيتين» التي يسوقها الطبري آيةً ثالثةً هي: «مَثَلُهُنَّ لا يُنْسَى» والتي يمكن ترجمتها بـ:

«Que leur geste ne soit pas oubliée»

أو:

«Que leur exemple ne soit pas oublié»

أو:

«Leur exemple n’est pas oublié» [19].

وهذه الإشارة إلى النسيان تثيرُ أيضا مَسْألةَ المؤنث. لنَتَذَكَّر أنَّ المذكَّرَ، في التقابل مذكر - مؤنث، يُوحِي بالذَّاكِرَة (من خلال الجذر ذكر). لكن جذر كلمة «نسيان» في المعاجم يُحيلُ إلى معاني التَّأخر، والمرأة، والنسيان. يحيل إلى تأخر حيض المرأة، ثم - يُحِيلُ بالتوسُّع - إلى الحيض نفسه.

يُوجَدُ في اللغة العربية جذر هو نَسَأَ له معنى عام هو «تَأخَّرَ، اختلف»، و«نَسَأَتِ المرأةُ: تأخَّرَ حيضُهَا، فظنَّت أنَّها حَامل[20]. وقريبا من هذا المعنى هناك جذر آخر، هو نسي، له معنى عام هو النسيان. ومن الأشياء التي تُنسى عن عَمْدٍ: «خِرْقَةُ الحيضِ الَّتِي تُرْمَى». وإلى هذا الجذر تنتمي كلمتا نِسْوَة ونِسَاء اللتان تعنيان جمع امرأة، والمرأةُ هِي مؤنث رجـل.[21]

بحسب لسان العرب، يفيد الجذر نَسَأ معنى تأخَّر حَيْضُ المرأة، فيقال إنَّهَا نُسِئَتْ «إذا كانت عند أول حَبَلِهَا، وذلك حين يتأخر حَيْضُهَا عن وقته، فيُرْجَى أنها حبلى»[22]. أما الجذر نَسَا[23]، فيفيد أوَّلاً معنى نِسْوَة، جمع امرأة، ثم يُشِيرُ إلى طُنُبِ النَّسَاء، وهو «عِرْقٌ يخرج من الوَرَك فيستبطن الفخذين ثم يمر بالعرقوب حتى يبلغ الحافر». كما يفيد معنى النسيان، وهو مفهوم هامٌّ في علاقة الله والمؤمن، بما أن الرسول هو من يُذَكِّر (فذَكِّرْ (الآية)، سورة الأعلى: 19)، والإنسان هو من يَنْسَى. وأخيرا هناك هذه الأشياء الحقيرة التي تُغْفَلُ وينساها الرُّحَّلُ وقت الرحيل، ومنها خرقة الحيض التي يقال لها النِّسْيُ.

هكذا يقتَرنُ النِّسْيَانُ بالتأخُّر أو التأجيل، والمرأة بتأخُّر الحيض. والنَّسْيُ هو هذا الحيض الذي لا يأتي، لكنه بغيابه يُرَجِّي حياةً جديدة. والنِّسْيَانُ، بالقياس إلى الله، يَتعلَّقُ بشيء تمَّ التخلي عنه )بأمر منه(، لكن دون مَحْوِهِ: أتلك حالة الآيات المنسوخة؟ تقولُ آيةٌ قُرْآنِيَّةٌ: «ما ننسخ من آية أو نُنْسِهَا (الآية)، البقرة: 106»، ترجمها بلاشير بـ: «Dès que nous abrogeons une ayât (verset) ou la faisons oublier...»[24]. وبحسب صاحب اللسـان[25]، فإن القُرَّاءَ كانوا يؤولون النسيان هنا على وجهين: أحدهما على التَّرْك، أي الإبقاء على تلك الآيات وعدم نسخها، والوجه الآخر هو نسيانها، أي نسخها.

النسيانُ - بمعنى تركُ شيء ما - يقترِنُ بالمرأة، أي بالمؤنث، بينما يقترنُ الذَّكَر - بمعنى الذاكرَة والذِكْر والتذكيُر - بالرَّجُل، أي بالمذكر. فالجذر ذَكَر يثير معاني الذاكرة، الذِّكْر، المذكَّر، الذَّكَر. وبمثابة صدًى بعيدٍ لهذا التقابل، نجدُ تلك الظاهرة المتمثلة في كَوْنِ الرِّجَال «يُذكَرُون» في أشجار الأنساب، بينما لا تُذكَرُ فيها النِّسَاء[26]...

معنـى التمنـي

تتضمن الفقرة الثانية من القرآن )التي تحدثنا عنها، وهي سورة الحج( الآية التالية: «وما أرسلنا من قبلك من رسول ولانبي إٍلاَّ إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم» )الحج: 51(. ويترجمها بلاشير على النحو التالي:

«Avant toi, Nous n’avons envoyé nul Apôtre et nul prophète sans que le Démon ne jetât [l’impureté (?)] dans leur souhait, quand ils [le] formulaient. Allah abrogera donc ce que le Démon jette [d’impur (?) en ton message], puis Allah confirmera Ses aya. Allah est omniscient et sage».[27]

يرى أغلب مفسري القرآن أن نزول هذه الآيات يرتبط بقصة «الآيات الشيطانية»، وبالتالي فهم يَرْوُونَ تفاصيلَها في سياق تفسير هذه الآيات. يقول النص العربي متحدثا عن سائر الأنبياء الذين سبقوا محمدا: «إذا تمنَّى ألقَى الشَّيْطَانُ في أمنيته»، وهو ما يعني حرفيا كُلَّمَا تمنَّى ألقَى الشيطانُ في هذه الأمنية، أو بتعبير آخر: كُلَّمَا تمنَّى نبيٌّ مَّا تدَخَّلَ الشَّيْطَانُ في هَذِهِ الرَّغبة. وتُوَاصِلُ الآية قائلة إن الله ينسخ هذا الصنيع الشيطاني.

وفي الرواية التي يسوقها الطبري في تفسيره[28] ورد ما يلي:

«لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم توَلَّي قومه عنه، وشق عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من عند الله، تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب به بينه وبين قومه، كان يسره، مع حبه وحرصه عليهم، أن يلين له بعض ما غلظ عليه من أمرهم، حين حدث بذلك نفسه، وتمنى وأحبه، فأنزل الله (والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى) [النجم: 1 - 2]، فلما انتهى قول الله (أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى) [النجم: 19 - 20] ألقى الشيطان على لسانه، لما كان يحدث به نفسه، ويتمنى أن يأتي به قومه: (تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى، وَإِنَّ شَفاعَتُهُنَّ تُرْتَضَى)، فلما سمعت قريش ذلك وَسَرَّهُمْ، وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم، فأصاخوا له، والمؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاءهم به عن ربه، ولا يتهمونه على خطأ ولا وَهَم ولا زللٍ...»[29].

وبذلك فأمنية النبي، في حالة محمد كما في حالة من سبقه من الرُّسُل، هِيَ التي تُعَرِّضُه للشيطان. حقا، إن التدخل الإلهي ينسخ أثر هذا التَّسَلُّل الشيطاني. غير أن مفسري القرآن كانوا يحسُّونَ بما يمكن لهذا التدخُّل أن يجُرَّهُ عَلَى مِصْدَاقِيَةِ الرسول وعِصْمَتِهِ. ومن ثمة، فقد تَمَحْوَرَ التأملُ حول الدلالة التي يتعيُن مَنْحها لفعل «تمنى». وفي نهاية تفسير الطبري لهذه الآيات ذكر هذه المسألة التي طرحها المفسرون. يرى بعضهم أن الأمر يتعلق بتمنِّي الرَّسُول التأليف بين المؤمنين والكفار من خلال ذِكْرِ آلهتهم. لكن الكثيريـن يرَوْنَ أنَّ «تمنَّى» تعني هنا «قرَأَ» أو «تَلاَ» أو «حَدَّثَ». وبحسب هذه المعاني فقد يكون الأمر متعلقا بما يُحتَمَل أن يكون الرسولُ حدَّثَ به نفسَه في موضوع تمنِّي ذلك الإيلاف. ومن ثمة، فالشيطان لم يتدخل في أمنية النبي، وإنما في قراءته للآيتين المنزَّلَتَيْن عليه. وقد تبنَّى التقليد الفقهي هذا التأويل الذي ينزِّهُ الرَّسُولَ من دَاخِلاَنِيةِ الرغبة. كما كرَّسَ معجم لسان العرب[30] هذا المعنى. فبعد أن ذكر أن معنى «تمنَّى الشَّيءَ أراَدَهُ»، ساق عبارة «تمنى الكتاب» بمعنى «تلاه وقرأه» لأن «تالي القرآن إذا مرَّ بآيةِ رحمةٍ تمناها، وإذا مر بآية عذاب تمنَّى أن يُوَقَّاه».

وتتقوى الأهمية التي يتعين منحها لكلمة تَمَنَّى في هذا السياق بالنظر إلى حضور الآية «أم للإنسان ما تمنَّى» (النجم: 24) بُعَيْد ما يُسَمَّـى بالآيتين الشيطانيتين.

ولسان العرب نفسه[31] يوضح هذا الجذر بَالِغ الغنى الذي ينحدر منه فعل «تمنى». يتعلق الأمر بالجذر «مَنِيَ». ومعناه الأول هو «القَدَر»، ينضاف إليه معنى الموت (المنية)، لأن هذا الموت «قُدِّرَ علينا». وبالإضافة إلى معنى ماء الرجل (المني)، يقتضي هذا المصدر معنى الرغبة «أمنية». قد تَمَّتِ الإشارةُ إلى معنى «التِّلاوة»، لكنَّ كلمة «تمني» نفسها يمكن أن تعني الكذب: «تمنى: كذب ووضع حديثا لا أصل له. وتمنى الحديث: اخترعه»[32]. ومن هذا الجذر أيضا ينحدر اسم الإلهة الثالثة، وهي مناة.

ثلاث إلهـات: معاني أسمـاء

ما معنى أسماء الإلهات الثلاث المذكورة في القرآن؟[33]

الـــلاَّت

هذا الإسم مؤنث كلمة «الله»، وهو يعني إلهة. إلهة قديمةٌ عند العربِ تقترن بالشمس (خلافا للغة الفرنسية، تؤنِّثُ اللغةُ العربيةُ الشَّمسَ وتُذَكِّرُ القَمَرَ). وورد في أحد النقوش النَّبَطية أنها كانت تُسَمَّى «أم الآلهة». وقد وُضِع لها صنمٌ من حَجَرٍ مُرَبَّعٍ بُنِيَ حوله بيتٌ، وكان يُعبد. كانت معروفة عند قريش وعند جميع العرب.

وبحسب لسان العرب[34]، فالجذر لاتَ يفيد معنى «أضاء وبدا وتلألأ». واسم الله وإن كان يرتبط به في بعض الجوانب، فهو ينحدر أساسا من الجذر ألَّهَ[35] الذي يعني الإله ومشتقاته (إلهة، آلهة...).

العُــــزَّى

كانت تُعبدُ في ثلاث شجرات في وادي نخلة (الطريق الرابطة بين الطائف ومكة). وكانوا وَضَعُوا لها صَنَماً وبَنَوْا عليها بيتا وأقاموا عليها سَدَنَةً.

بحسب اللسـان[36] يفيد الجذرُ عَزَّى بالخصوص معنى القـوة والشدة والغلبة. والعزيز من صفاتِ الله أو أسمائه الحسنى، «القوي الغالب كل شيء». وكلمة العُـزَّى تأنيث الأعز. ويضيف معجم كازميرسكي[37] إليها معنى «الخليلة والمحبوبة».

منـــــــاة

يرى الكلبي[38] أنها أقدم الأصنام. يوجد معبدها على شاطئ البحر بين مكة والمدينة. وقد وضعوا لها حجرا أسود.

ينحدر اسمها من الجذر مَنِيَ - كما ذكرنا سابقا - إشارة إلى فكرة «القَدَر» أو الموت (المنية). ويرى بعض المؤلفين في التعبير الغامض «الثالثة الأخرى» (النجم: 20) الذي خصَّهَا به القرآن مُجَرَّدَ استجابة لضرورة الوزن... وتبقى المسألة مفتوحة للنقاش.

• أهي تعابيـرٌ ثلاثـةٌ عـن المـرأة؟

إزاء ذِكْرِ ثلاث إلهاتٍ، بل وإزاء هذا الإلحاح على رقم ثلاثة من خلال عبارة «ومناة الثالثة الأخرى»، لا يمكننا إلا أن نتذكر هذا الثالوث الميثولوجي، أمثال الإرينيات[39] اللواتي ترى نيكول لورو فيهنَّ تعبيرا عن المؤنث بصيغة الجمع، تعبيرا ينحو إلى نزع صفة الفردية عنهن وإحالة الجمع إلى أنثوية أصلية. لقد سجَّل فرويد أثناء شرحه لتيمة العُلَبِ الثلاث[40] أن ثالث الأخـوات هـي إلهـةُ المـوتِ، أي المنية نفسها، لكنَّهَا في اختيار باريس [إله الحرب] إلهةُ الحُبِّ...»[41]. إنه إقلابٌ مُسَجَّـلٌ في الميثولوجيا: «يبدو أن الإلهاتِ العظيماتِ أمهاتِ الشعوبِ الشرقيةِ كُنَّ جميعا حافظاتٍ أيضا وقاتلاتٍ، كُنَّ إلهاتٍ للحياة والولادة وإلهاتٍ للموت»[42].

ويقتـرح فرويد التأويل التالي:

«يمكن القول إن ما يُرَادُ تمثيله هو العلاقات الثلاث الحتمية التي يرتبط عبرَهَا الرَّجُلُ بالمرأة: ها هي [المرأة] المُنجِبة، والرفيقة، والقاتلة. أو ما يُرَادُ تمثيله هو الأشكالُ الثلاثة التي تعرض [المرأة] بها نفسَها خلال الحياة، هو صورةُ الأم نفسهَا: الأم نفسها، والمحبوبة التي يختارها الرجل على صورة أمه، وأخيرا الأرض الأم التي تستعيده»[43].

أيمكن أن نَرَى في الإلهات الثلاث المذكورة في القرآن نوعا من الصَّدَى لهذه المُعَاوَدَةِ أو التكرار الأسطوري؟ من الأكيد أن اسم الإلهة الثالثة، وهو مناة، يثيرُ في آن واحدٍ الموت، القدر، والأمنية أو الرغبة. إن علاقة الإسمين الأوليين بالموت أقلّ وضوحا، لكنها واردة وممكنة التصور. وَإذا أمكنَ الدِّفَاع عن هذه الأطروحة سَارَتْ في اتجاه تأويلنا للآيات الشيطانية، وهو أن المسألة فيها هي أساسا قضية المرأة، وأكثر تحديدا مسألةُ الأم.

خلاصـــة

تثير القضيةُ التي انتهينا من شرحها - أوَّلا وقبل كل شيء - الإرادةَ الأكيدةَ في الحفاظ على أثرٍ مَّا: الحفاظ عليه، في آنٍ واحدٍ، في القرآن من خلال ذكر الإلهاتِ الثلاث والمقاطِعِ التي تُلَمِّحُ إليهن وفي التقليدِ المكتوب من خلال كتابات العلماء والمختصين المتمثلة في تفاسير القرآن. لقد كتب مؤلِّفٌ من القرن XIVم، هو ابن كثير، في سيرته النبوية أن الأمر يتعلق بقصة يعسُرُ ذكرها. ومع ذلك فهو لم يتورع عن إيراد روايتها الكاملة في تفسيره للقرآن: وهي بدون شك مُوَجَّهَةٌ لجمهور آخر من القراء. وكذلك ظل الأمر إلى حدود المصلح الشيخ محمد عبده الشهير الذي وَاصَلَ نقلَها في القرن XIXم مع إبداءِ كُل التحفظات النَّقْدِية الضرورية. والنتيجة أن ذلك كله لم يمنع من نقلِ رِسالةٍ مَّا سواء أكان في الأمرِ حَرَجٌ أم لا.

وهذه الرِّسَالةُ نُقِلَتْ داخل اللغة: ليس في دلالة الكلمات الظاهرة والشائعة، وإنما في معناها العميق، وغالبا في حرفيتها كما يحدث في الرسالة المسروقة، أي أن ما يَجِبُ إخفاؤه يَتِمُّ إِظْهَارُهُ ليظلَّ محجوبا أكثر. يُلِحُّ فرويد في معرض حديثه عن العُصَاب - الذي يرى أنه لا يفعل سوى تضخيمِ وضعية معتادة - على أهميةِ هذا المعنى الأصلي: «عندما يتَّبِعُ العصابُ الاستعمالَ اللغوي، فإنه ثمة أين يأخذُ الكلماتِ في معناها الأصلي المحمَّل بكلِّ دلالته. وحيثما يبدو العُصَابُ يَعْرِضُ كلمة مصورة، فإنه لا يعيد إنتاج شيء آخر عدا الدلالة القديمة لهذه الكلمة»[44] أليس ما يُنقَلُ بالضبط هو الوضع الاعتباري الحقيقي للنقل، وبدون علم الذين ينقلونه؟

ومن الواضح أن رسالة كهذه لا يمكن أن تُفْهَمَ إلا خارج فلَك اللاهوت والإيمان. رسالة تضع في الواجهةِ الإلهةَ-المرأةَ باعتبارها منسية (لكن لا يتعين نسيانها)، والرَّغبةَ التي يجب التخلي عنها (لكنها تظل حاضرة في المرأة والموت)، وآخرَ هو الشيطان الذي يرتسم جانبيا وراء الرغبة (ووراء المرأة، كما سيقول المفسرون على الفور). سمة موضوعة في آن واحد في الرغبة وفي موضوعها. سلسلة فريدة تتأصَّلُ في رغبة عنيفة، وتتَّجِهُ نحو الإله الآخر (وهو إلهة)، نحو المرأة، نحو الشيطان: حقائق تظل حية في رسُوخ بِنْيَةِ كلمَات اللغة، لكن يَفْرِضُ عليها القانونُ وضعا اعتباريا هو وضع غير المذكورات، وضع الأنثويات، المنسيات، المؤجلات إلى مكان آخر. أليس من العجيب أن يفكر نبيٌّ أو ينويَ - ولو لوقت قصير - أن يجعل من هذا الأمر ذاكرة؟


--------------------------------------------------------------------------------

المصـادر والمراجــع

أ - العــربيــة:

الحــوت، محمـود سليــم، الميثولوجيا عند العرب، بيروت، 1955.

القرآن الكريـم

الطبـري، أبــو جـريـر، تاريخ الرسل والملوك، (15 ج)، ليـدن، 1879 - 1901.

الطبـري، أبو جـرير، جامـع البيـان في تفسير القـرآن، طبعة بـولاق، 1328هـ. (بالنسبة للترجمة تم اعتماد الطبعة الأولى لدار الكتب العلمية ببيروت الصادرة سنة 1992 في 12 مجلدا).

الدكتور ماصون، محاولة في تفسير القرآن، مراجعة الدكتور صبحي الصالح، طبعة مزدوجة، (د. ت).

ابـن منظور، جمال الدين محمد بن مكرم، لســان العرب، طبعة بولاق، (20ج)، 1299 - 1308هـ.

ابن منظـور، جمال الدين محمد بن مكرم، لســان العـرب، القاهـرة، دار المعارف، د.ت. (بالنسبة للترجمة تم اعتماد طبعة دار الفكر/دار صادر ببيروت الصادرة بدون تاريخ في 15 مجلدا)

ب - الأعجميـة:

First Encyclopaedia of Islam 1913 - 1936, Leiden, E. Brill, 1987 (9 vol.)

Freud, Sigmund, «Le thème des trois coffrets», in Essais de psychanalyse appliquée, Idées, Gallimard, 1933.

Le CORAN, traduit par Régis Blachere, Paris, G.P. Maisonneuve, 1957.

Le CORAN, Traduit et présenté par André Chouaqui, Paris, Robert Laffont, 1990.

Le CORAN, Essai de traduction de l’arabe annoté et suivi d’une étude exégétique par Jacques Berque, Paris, Sindbad, 1990.

Freud, Sigmund, «Caractère et érotisme anal», in Névrose psychose et perversion, Paris, PUF, 1973.

Freud, Sigmund, L’homme Moïse et la religion monothéiste, Paris, Gallimard, 1986.

Gaudefroy-Demombynes, Mahomet, Paris, Albin Michel, 1957, 1989.

Gilliot, Claude, Exégèse, langue et théologie en Islam. L’exégèse coranique de Tabari, Paris, Vrin, 1990.

Kazimirski, Dictionnaire arabe-français, Paris, G.P. Maisonneuve, 2 tomes, 1960.

Loraux, Nicole, «Qu’est-ce qu’une déesse?», in Histoire des femmes, dir Georges Duby et Michelle Perrot, t1, L’Antiquité, Paris, Plon, 1991.

D. Masson, (traduction par), Essai d’interprétation du Coran. Inimitable, traduction revue par Dr. Sobhi El-Saleh, Paris, Gallimard, Bibliothèque de la Pléiade, 1967.

Tabari, Mohammed, Sceau des prophètes, Paris, Sindbad, 1980.

Watt, Montgomery, Mahomet, Paris, Payot, 1958, 1989




--------------------------------------------------------------------------------

هوامش

[1] - لقد انطبع الرأي العام، خلال السنوات الأخيرة، حول هذا الموضوع بحدثين: الأول صدور شريط «فتنة المسيح» سنة 1987، والثاني صدور رواية سلمان رشدي «الآيات الشيطانية» سنة 1988.

[2] - كثيرا ما يتطرق فرويد إلى تيمة الشيطان من زاوية كونه آخرَ للذات: «ليس الشيطان بشيء آخر عدا شخصنة الحياة الغريزية اللاشعورية المكبوتة». انظر: «Caractère et érotisme anal», p. 147.. (في السياق نفسه، يمكن أن نقرأ لفرويد أيضا: «ليست الشياطين في رأينا بشيء آخر سوى رغبات شريرة مستهجنة تنبع من دوافع مكبوحة، مكبوتة». انظر: S. Freud, Essais de psychanalyse appliquée, Paris, Gallimard, Idées, 1933, p. 212، أو سيغموند فرويد، إبليس في التحليل النفسي، ترجمة جورج طرابيشي، بيروت، دار الطليعة، الطبعة الأولى 1980، ص. 6. [م]).

[3] - يميز فرويد في كتابه موسى والتوحيد L’homme Moïse et le monothéisme, p. 233 sq, بين نوعين من الحقيقة: مادية وتاريخية، ويرى أن هذه الأخيرة يصيبها بعض التحريف عندما تعاود ظهورها. (بخصوص موقع هذه الفكرة في الترجمة العربية للكتاب المذكور، راجع: سيغموند فرويد، موسـى والتوحيـد، ترجمة جورج طرابيشي، بيروت، دار الطليعة، الطبعة الرابعة، 1986، ص. 179. [م]).

[4] - لقد وقف أغلب مؤلفي السيرة النبوية عند قضية «الآيات الشيطانية». نذكر منهم بالخصوص: مونتغمري واط W. Montgomery Watt، في كتابه: Mahomet, p. 131-142 وموريس غودفوري-دممبين Gaudefroy-Demombynes في مؤلفه Mahomet, p. 84 - 90. كما تَوَقَّفَتْ عند هذه القضية المصادر العربية القديمة، منها بالخصوص كتب تفسير القرآن.

[5] - يعتبر المؤرخ الطبري أحد المصادر الأساسية لبدايات التاريخ الإسلامي نظرا لـغزارة مؤلفاتهه، وأمانته في سوق مجموع الأخبار التي سبقته والتي غالبا ما ينفرد بمعرفتها. أهم مؤلفاته تاريخ الرسل والملوك (15ج)، ليدن (1879-1901)، وتفسير يحمل عنوان جامع البيان في تفسير القرآن. وقد تُرجِمَ تاريخه جزئيا إلى الفرنسية. والقسم المتعلق بالرسول في هذا التاريخ نُشِرَ في كتاب مستقل تحت عنوان Mohamed sceau des prophètes، وفيه يرد ذكر المرحلة التي تهمنا، ص. 21(. كما شكل الطبري موضوعا لدراسة عميقة قام بها كلود جيليو تحت عنوان: Exégèse, Langue et théologie en Islam. L’exégèse de Tabari.

[6] - ملحوظة: كما سيذكر المؤلف في الهامش الموالي، فإن هاتين الآيتين لا توجدان في سائر نسخ القرآن الكريم المتداولة. وقد سُقناهما عن الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، بيروت، دار الكتب العلمية، المجلد 9، شرح سورة الحج، ص. 175 لا لشيء آخر عدا توضيح مضمون الترجمة الفرنسية لبلاشير التي يسوقها المؤلف. (م).

[7] - Le Coran, traduit par Régis Blachere, p. 561.

وبين سائر الترجمات الفرنسية تظل هذه الترجمةُ الترجمةَ الوحيدةَ التي تسوق نص الآيات المنسوخة في المكان الذي كانت توجد فيه. ولنذكر بأن الطبعات العربية لا تذكر أبدا هاتين الآيتين الشيطانيتين؛ وصياغتهما باللغة العربية توردها لنا مصنفات شراح القرآن والمؤرخين.

[8] - الكُرْكِيُّ ج كَرَاكِيَ: طائر كبير من فصيلة الكُركيات ورتبة طِوال الساق، أغبر اللون، طويل العنق والرجلين، أبتر الذنب، قليل اللحم، يأوي إلى الماء أحيانا. (م).

[9] - Masson, Essais d’interprétation du Coran, Inimitable. Traduction par D. Masson, p. 702.

[10] - Chouraqui, Le Coran. L’Appel. Traduit et présenté par André Chouraqui, p. 1106.

[11] - Berque, Le Coran. Essai de traduction de l’arabe annoté et suivi d’une étude exégétique par Jacques Berque, p. 575.

[12] - المويراي (les Moires): إلهات نشأن، بحسب اعتقاد قدماء الإغريق والرومان، منذ بدء الخليقة، من الليل أو من جِمَاعٍ زوس بزوجته الثانية ثيمس Thémis، إلهة العدل. وهنَّ ربات للأقدار والحظوظ اللائي ينظمن شؤون الحياة تنظيما لا مرد لحكمهن فيه، ويتصرفن على حد قول البعض في حظوظ الآلهة والآدميين على السواء، وتودُّداً إليهن كان الرومان يسموهن مبعدات الشر Les Parques. عن: وِلْ ديورانت، قصـة الحضـارة، ترجمة د. زكي نجيب محمـود، بيروت - تونس، دار الجيل - المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1988، ج 6 [حياة اليونان]، ص.337، كما يمكن الرجوع، فضلا عن معجم الميثولوجيا الإغريقية الشهير الصادر بالفرنسية عن المنشورات الجامعية الفرنسية (PUF)، إلى: - Georges Hacquard, Guide de la mythologie de la Grèce et de Rome, Paris, Hachette, 1990, p. 217 . (م).

[13] - الإرينيات (les Erinyes): إلهات نشأن - في اعتقاد قدماء الإغريق - من دم كرونوس الساقط على الأرض بعد أن بَتَر ابنُه أورانوس أحد أعضائه (...) لا يعرف عددهن بالضبط، لكن ثلاثا منهن تواتر ذكرهن، وهن: Alecto، وMégère، وTisiphone. هنَّ، في اعتقاد الإغريق، إلهات الغضب الرهيبة اللواتي لا يتركن ظلما إلا انتقمن له. كما كانوا يطلقون عليهن إسم اليومنيدات (Eumenides)، أي الحافظات أو مريدات الخير، توددا إليهن ودرءا لشرهن. عن: وِلْ ديورانت، قصة الحضارة، مرجـع سابق، الصفحة نفسهـا. كما يمكن العودة إلى جورج هاكار، دليل الميثولوجيا...، مـرجـع سابق، ص. 127-128. (م). للإشارة فقط، فإن مترجم كتاب Les structures anthropologiques de l’imaginaire، يترجم الكلمة التي نحن بصددها بـ «جنيات العذاب». راجع جلبير دوران، الأنثروبولوجيا، رموزها، أساطيرها، أنساقها، ترجمة: د. مصباح الصمد، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر والتوزيع، 1993، ط. 2، ص.91. (م).

[14] - نسبة إلى الاستيهام (Fantasme): هو سيناريو متخيل تكون الذات حاضرة فيه. وهو يصور بكيفية تتفاوت درجة تحويرها بفعل العمليات الدفاعية، وتحقيق رغبة ما تكون لاواعية في نهاية المطاف. ويتجلى الاستيهام بمظاهر مختلفة: فقد يكون استيهامات واعية، أو أحلام يقظة، كما قد يكون استيهامات لا واعية يكشف عنها التحليل باعتبارها بنيات كامنة خلف محتوى ظاهر، أو استيهامات أصلية. عن: J. Laplanche et J.-B. Pontalis, Vocabulaire de la psychanalyse, Paris, PUF., 1967, p. 152، وبالنسبة للترجمة العربية، انظر: جان لابلانش وج. ب. بونتاليس، معجم مصطلحات التحليل النفسي، ترجمة د. مصطفى حجازي، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والتوزيع والنشر، 1987، ط. 2، ص. 573. للإشارة فإن د. مصطفى حجازي، يترجم المصطلح الذي نحن بصدده بكلمة «هوام». (م).

[15] - Nicole Loraux, «Qu’est-ce qu’une déesse?», p. 54.

[16] - S. Freud, L’Homme Moïse et la religion monothéiste, p.174.

وبالنسبة للترجمة العربية لهذا النص يمكن الرجوع إلى: سيغموند فرويد، موسى والتوحيد، ترجمة جورج طرابيشي، بيروت، دار الطليعة، الطبعة الرابعة 1986، ص. 116-117. وفضَّلنا الاكتفاء بنقل ترجمته لهذا المقطع. (م).

[17] - ابن منظور، لسان العرب، طبعة بولاق، 1299-1308 هـ )في 20 جزءا(. والإحالات التي نسوقها أخذناها من الطبعة الحديثة لدار المعارف )القاهرة(، في 9 أجزاء )د.ت (. (ملحوظة: فيما يخص هذه الترجمة فقد تم الاعتماد على طبعة دار الفكر/دارصادر، الصادرة ببيروت في 15 مج، بدون تاريخ. ]م[).

[18] - لســان العرب، ج. 8، ص. 183-185.

[19] - الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، ج. 9، ص. 176 ويمكن إجراء قراءة أخرى في النص العربي، وهي: «مِثْلَهُنَّ لاَ يُنْسَى» تعني حرفيا «شبهن لا يُنْسَى» أو «نظيرهن لا يجب أن يُنسَى».

[20] - Kazimirski, Dictionnaire arabe-français, t. II, p. 1244.

[21] - Ibid., p. 1244.

[22] - اللســــان، ج. 1، ص. 168.

[23] - نفســه، ج. 15، ص. 321.

[24] - Le Coran, traduit par Régis Blachere, p. 43.

[25] - اللســان، ج. 15، ص. 322-323.

[26] - لمزيد من التوضيحات حول هذه النقطة، راجع جلبير غرانغيوم، اللغة والسلطة والمجتمع في المغرب العربي، ترجمة محمد أسليـم، مكنـاس، الفارابي للنشر، الطبعة الأولى 1995، صص. 112-116. (م).

[27] - Le Coran, traduit par Régis Blachere, p. 364.

[28] - الطبري، جامع البيـان في تفسير القرآن، ج. 17، ص. 131-132. وقد ترجمتُ النص العربي بالطريقة الأكثر حرفية ممكنة. ومقاطع القرآن التي نسوقها أخذنَاهَا من ترجمة ريجيس بلاشير.

[29] - الطبـري، جامع البيـان في تفسير القرآن، ج. 9، ص. 175.

[30] - اللســـان، ج. 15، ص. 294.

[31] - نفســــه، ص. 292.

[32] - انفســـه، ج. 15، ص. 295.

[33]- نشير إلى أن المصادر الأساسية التي نستخدمها هنا، عدا لسان العرب، هي First, Encyclopaedia of Islam, (9 vol.), وكتاب سليم الحوت (بالعربية)، الميثولوجيا عند العـرب.

[34] - ج. 2، ص. 584.

[35] - اللســـان، ج. 13، ص. 464.

[36] - اللســـــان، ج. 5، ص. 384.

[37] - Kazimirski, Dictionnaire arabe-français, t. II, p. 241.

[38] - صاحب كتاب الأصنــــام. (م).

[39] - الإرينيـات: سبق شرحها في الهامش 13 من الدراسة الحاليـة. (م).

[40] - S. Freud, «Le thème des trois coffrets», pp. 87-103.

[41] - Ibid., p. 98.

[42] - Ibid., p. 100.

[43] - Ibid., p. 103.

[44] - S. Freud, «Caractère et érotisme anal», p.147.




لغة العلاج والنسيان

دراسات في ألف ليلة وليلة وقضية «الآيات الشيطانية»، ترجمة: محمد أسليـم




محتويات الكتـاب

تقديـــــــــم بقلم المؤلف

أشكال اللقاء بين الإسلام والتحليل النفسي



ليلى الحكاية والقــدر


ألف ليلــة وليلة: الحديث والنسيـــان

الحـــَرْفُ والنِّسْيـــَانُ في سِيـَــاقِ الإِسْــلاَمِ

أُمنِيـَــــةُ النَّـــبي

لغــة الاستشـراق



Accueil || Biographie|| Ouvrages|| Contributions|| Comptes

---------------------------------------------------------------------------------------------------



دراسة في لغة القرآن*



روبرت ر. فينيكس الابن
وكورنيليا ب. هورن
جامعة القديس توما
فرع اللاهوت، مينسوتا


[1] لم يسبق لمثل هذا العمل أن صَدَرَ في تاريخ تفسير القرآن كلِّه؛ إذ لا يمكن أن نجد أعمالاً كهذه إلا في سياق الدراسات العلمية النقدية لنصوص الكتاب المقدس. لكن لوكسنبرغ، عبر منهجية هذا العمل على لغة القرآن واستنتاجاته، حرَّر الباحثين من الموروث الإشكالي للمفسِّرين الإسلاميين. وسواء كان مصيبًا أم غير مصيب في كلِّ ما أورد من تفاصيل، إلا أنه، عبر كتاب واحد، وضع التفسير الاختصاصي للقرآن أمام ذلك "المنعطف الحرج" الذي اتَّخذه مفسِّرو الكتاب المقدس قبل ما يزيد عن قرن. لقد بيَّن هذا العمل لمفسِّري القرآن قاطبة سلطانَ المنهج العلمي للفقه اللغوي وقيمته في تقديم نصٍّ أوضح للقرآن؛ الأمر الذي سيجبر الباحثين المرموقين، من الآن فصاعدًا، على التشكيك، من منظور فقهي لغوي، في افتراض التعويل على التراث النقلي الإسلامي في معظمه، وكأنه معصوم عن الخطأ البشري الذي يتخلل نقل أية وثيقة مدوَّنة. فإذا جاز لنا أن نعتبر دراسات الكتاب المقدس مؤشرًا فإن هذا العمل قد حدَّد نوعًا ما مستقبل الدراسات القرآنية.**

[2] يقدم الكتاب أطروحةَ ومراجعَ المنهجَ والأمثلة على تطبيقه في ثمانية عشر بابًا. وتغطي الأبواب، من أولها إلى عاشرها، خلفية ومنهج وتطبيق ذلك المنهج على فكِّ الاستغلاق الذي يطوِّق أصل كلمة قرآن ومعناها، تلك الكلمة التي يرى فيها لوكسنبرغ مفتاحًا لفهم النصِّ ككل. أما الأبواب من الحادي عشر إلى الثامن عشر فهي تستخلص من النتائج المتحصَّل عليها في النصف الأول لتناقش حلولاً ممكنة لعدة عبارات إشكالية وَرَدَتْ في النص. وهذه تتضمن مشكلات مفرداتية ونحوية وتركيبية تمثِّل للمبادئ الأساسية المبطِّنة للأغلاط العديدة الناجمة عن نقل القرآن (الأبواب من 11 إلى 14)، كما وتوسيع هذا المنهج للفحص عن المشكلات المولِّدة لسوء فهم متكرِّر للمواد المطروحة في النص (البابان 15 و16). ثم يطبق لوكسنبرغ استنتاجاته في تأويل سورتي الكوثر والعلق. ويتضمن الباب الثامن عشر موجزًا للعمل ككل.

[3] يستهدف لوكسنبرغ توفير مختارات من النتائج المستخلَصة من تحرياته الجارية في لغة القرآن بحيث يمكن البدء بنقاش أولي حول مناهج لسانيات النص وحول ما يترتب عن تلك النتائج على مضمون القرآن، دونما الحاجة إلى الانتظار حتى انتهاء العمل بمجمله. فهذا العمل مجرد مسودة مؤقتة، بُسِطَت بالاستدلال ودُعِّمت بأدلة وفيرة. فلوكسنبرغ يدرك جيدًا أن العديد من أسانيد عمل فقهي لغوي متماسك مازال ناقصًا؛ وقد وعد بتقديمها في دراسته النهائية.

[4] في مدخل كتابه يلخِّص لوكسنبرغ الأهمية الثقافية واللغوية للسريانية المكتوبة في نظر العرب والقرآن. ففي زمن محمد لم تكن العربية بعدُ لغةً مكتوبة؛ فقد كانت السورية–الآرامية أو السريانية هي لغة التواصل المكتوب في الشرق الأدنى، بدءًا من القرن الثاني للميلاد وحتى القرن السابع. كانت السريانية، وهي لهجة آرامية، لغة مدينة–دولة الرَّها في أعالي الرافدين. وفي حين لم تعد الرَّها كيانًا سياسيًّا صارت لغتُها، وعاء المسيحية والثقافة، منتشرة عبر آسيا لتصل حتى أقاصي مالابار وشرق الصين. وهكذا ظلت السريانية، حتى بزوغ القرآن، هي وسيط التواصل الأوسع ونشر الثقافة عند الآراميين والعرب، والفرس بدرجة أقل. وهي التي أبدعت النتاج الأدبي الأغنى في الشرق الأدنى، بدءًا من القرن الرابع (أفرهاط وأفرام) حتى تم استبدال العربية بها في القرنين السابع والثامن. ومن الأهمية بمكان التأكيد على أن الأدب السرياني–الآرامي، بما هو الرحم الثقافية التي وجدت فيها هذه الثقافة، يكاد يكون مسيحيًّا حصرًا. ويُظهِر جزء من دراسة لوكسنبرغ أن التأثير السرياني على أولئك الذين أوجدوا العربية المكتوبة كان ينتقل عبر وسط مسيحي وأن تأثير هذا الوسط كان حاسمًا.

[5] ثم يقدم لوكسنبرغ اشتقاقًا لكلمة "سرياني"، آتيًا على ورودها بارزة في مظانِّ الأحاديث الشريفة الأولى التي تذكر أن محمدًا كان يحضُّ صحابته على تعلُّم السريانية (والعبرية أيضًا). والأمر لا يمكن أن يكون غير ذلك لأن تلك الآداب كانت السوابق الأدبية للعربية المكتوبة. وقد وضع لوكسنبرغ دراسته لاختبار صحة الفرضية التالية: بما أن السريانية المكتوبة كانت لغة العرب المكتوبة، وبما أنها كانت تشكل الوعاء الثقافي للشرق الأدنى، مثلها كمثل الآكادية التي سبقتْها أو العربية التي تلتْها، فإن من الأرجح جدًّا أن تكون السريانية قد تركت بعض الأثر على الذين طوَّروا العربية المكتوبة. ويمضي لوكسنبرغ مفترِضًا أن هؤلاء العرب كانوا متنصِّرين ومشاركين في الليتورجيا المسيحية.

[6] تنبَّه الدارسون الغربيون، منذ القرن التاسع عشر، إلى تأثير اللغات الأجنبية، ولاسيما اللهجة الآرامية المسماة بالسريانية، على مفردات القرآن. وقد جمع لوكسنبرغ كل ما يمت إلى هذا المنحى من البحث، وصولاً إلى فحص منهجي عن عربية القرآن بغية تأمين حلٍّ شامل لصعوباته النصِّية العديدة. وقد استندتْ النتائج التي استخلصها حول أصل القرآن، وقصة انتقاله من محمد إلى عثمان، والثيمات المضمَّنة فيه، إلى حجج مشتقة من أدلة جُمِعَتْ وفُحِصَ عنها من خلال أدوات مناهج الاشتقاق والقراءة النقدية للنصوص. فلا يستند أيُّ جزء من هذه المنهج على القبول الأعمى للافتراضات الدينية والموروثة، أيًّا كان نوعها، وخاصة منها ما يمت إلى المفسِّرين العرب. فحتى الآن لم يكن المفسِّرون الغربيون النقديون المرموقون "نقديين" بما يكفي في هذا الصدد. ويبرهن لوكسنبرغ، مباشرة أو بشكل غير مباشر من خلال استنتاجاته، أن هذه الثقة لم تكن في محلِّها. من هنا ليس لأية حجة تسعى إلى البرهان على عدم صحة فرضيات لوكسنبرغ أن تفترض أن المفسِّرين العرب فهموا قواعد ومفردات عربية القرآن فهمًا سليمًا. وهذه من أهم إسهامات هذه الدراسة.
[7] ثم يقدِّم لوكسنبرغ ما جاء في التراث الإسلامي عن التاريخ المبكر لنقل القرآن. فبحسب ذلك التراث كان الخليفة عثمان بن عفان (644-655 م) هو أول من جمع مدوَّنات ما نطق به محمد في مصحف واحد (570-632 م). فالقرآن هو أول كتاب باللغة العربية اطَّلع عليه الفقهاء. وهذا مهم جدًا لأنه أساس العربية المكتوبة – لغة حضارة وسيطية رفيعة – ولأنه، عند المسلمين، منبع كلِّ تعبير ولاهوت وتشريع ديني، ويُعتَبَر وحي الله إلى محمد. وهو في نظر غير المسلمين نتاج أدبي هام يستحق الدراسة، سواء من منظور تاريخيٍّ أو فقهي لغوي.

[8] وهذا المنظور هو الذي يتَّبعه لوكسنبرغ. فالمفسِّرون الغربيون قد اتَّبعوا التقليد الإسلامي بدلاً من استعمال الأدوات والفنون المرجعية للتحري الفيلولوجي. ويقدِّم لوكسنبرغ عرضًا موجزًا لما تضمَّنتْه المكتشفات من أعمال هامة تتناول فقه اللغة القرآني في الغرب. لقد تنبَّه العلماء بشكل متزايد إلى ما يتضمنه القرآن من مصطلحات أعجمية وإشارات إلى أحداث تاريخية أجنبية وإلى الأصول الآرامية لمعظم هذه المصطلحات والإشارات. غير أن إصرار العلماء الغربيين على اعتماد المقاربة البالية فنيًّا غير العلمية لتفاسيرهم الإسلامية فإن المغزى من مكتشفاتهم كان لا بدَّ أن ينتظر حتى صدور هذه الدراسة.

[9] الباب الثاني من دراسة لوكسنبرغ لا يتخطَّى بكثير مجرد التصريح بأن دراسته مستقلة عن كلا الأبحاث العربية والغربية، تحديدًا لأن منهجه لا يستند إلى شروح المفسِّرين العرب، إنما بالحري إلى الأدوات المفرداتية العربية والسريانية، بالإضافة إلى اللسانيات السامية المقارنة. وكان مصدره الرئيسي بين المفسِّرين العرب هو التفسير الأقدم للقرآن للطبري.[1] لم يكن في حوزة الطبري أيُّ قاموس يستطيع مراجعته، فكان مضطرًّا إلى الاتكال على الأثر الشفوي وعلى مفسِّرين أقرب إلى معاصرة محمد ممَّن حافظت مؤلفاتُهم المفقودة جزئيًّا على كلامه. فكان اللسان، ذلك القاموس الأوسع للغة العربية،[2] والترجمات والتفاسير الغربية لبِلْ[3] وبلاشير[4] وباريت،[5] والقاموسان السريانيان لباين سميث[6] وبروكلمان،[7] ومعجم مَنَّا الكلداني–العربي،[8] هي الأعمال المرجعية الأولية الأخرى.

[10] ونقع على استعمال هذه المواد موضوعًا في خدمة المنهج في الباب الثالث، حيث يصرِّح لوكسنبرغ أن الهدف الرئيسي من الدراسة هو توضيح العبارات التي لم تتَّضح للمفسِّرين الغربيين الثلاثة. وقد قاده اكتشاف وجود الكثير من المفردات الآرامية الأصل إلى الرجوع إليها في تلك المقاطع التي لم تكن من "المتشابهات" بحسب افتراض المفسِّرين الغربيين. وكان الفحص عن هذه المقاطع مبرَّرًا، خاصةً حين لم تكن تفاسير المفسِّرين العرب (التي اتَّبعها المفسِّرون الغربيون إلى حدٍّ كبير) مطابِقة لسياق الكلام على الإطلاق. فعلى سبيل المثال، لم يكن لدى الطبري أية أدوات معجمية، كما أنه لم يستشهد إلا فيما ندر بأبيات من الشعر العربي الجاهلي تأييدًا لتفسيره عبارة معينة. في مثل هذه الحالات يكون هامش الخطأ واسعًا لأن التحقق من سياق تلك القصائد الجاهلية مرارًا ما يكون صعبًا للغاية. ومع ذلك، كان المفسِّرون الغربيون، في كثير من الأحيان، يقبلون تلك التفاسير دون أيِّ نقاش.

[11] حاول لوكسنبرغ، مستعملاً منهجه الفقهي اللغوي، توثيق السياق التاريخي للقرآن بغية التوصل إلى مقاربة منهجية لحلِّ المشكلات النقدية النصِّية. وكان مرجعه الأساسي في هذا هو الإصدار المعترف به للقرآن المنشور في القاهرة (1923-1924) الذي طُبِعَ بدون شَكْل. وتكمن ميزة هذا الإصدار، قياسًا إلى ما سبقه، في سعيه إلى إسناد قراءاته إلى المقارنة بين المفسِّرين العرب الأوائل. وأهم ما يميِّز هذا العمل هو أن محرِّريه حاولوا تثبيت التنقيط الذي يفرِّق بين القراءات المختلفة لحرف واحد. وقد نقَّح لوكسنبرغ هذه النقط في حالات عديدة، لكنه فعل هذا باتِّباعه منهجًا واضحًا ومفصَّلاً: فعندما كان مخيَّرًا بوضوح بين قراءتين مختلفتين رجَّح القراءة الأصعب؛ وفقط عندما كان تعبير معيَّن غير واضح بشكل جليٍّ، وعندما يعدم المفسِّرون العرب تفسيرًا معقولاً لذلك، كان لوكسنبرغ يستكشف حلاً يتطلَّب تغيير واحدة أو أكثر من النقط في الطبعة القاهرية.

[12] يسلِّط لوكسنبرغ الضوء على منهجه الاستدلالي. ومنهجه، انطلاقًا من تلك المقاطع التي أشكلت على المفسِّرين الغربيين، يجري كما يلي: في البدء كان يتحقق من وجود تفسير معقول في الطبري جاز عنه المفسِّرون الغربيون؛ فإنْ لم يجده تراه يدقق فيما إذا كان اللسان يتضمن معنى لم يعرفه الطبري أو مصادره الأسبق. فإذا لم يتفتق الأمر عن شيء، كان يتحقق ضمن السياق إن كان لتلك العبارة العربية جذرٌ آرامي يشابهها لفظًا ويخالفها معنى وينطبق على السياق. وقد وجد لوكسنبرغ، في حالات عديدة، أن الكلمة السريانية بمعناها كانت أكثر منطقية – مع الإشارة هنا إلى أن هذه الخطوات الأولى للاستدلال لم تمس النص الخالي من الحركات للطبعة القاهرية للقرآن.

[13] فإذا لم تسفر هذه الخطوات عن شيء، كان يتأكد من أن تبديل واحدة أو أكثر من النقط يؤدي إلى جعل العبارة العربية أكثر منطقية. وقد وجد لوكسنبرغ أن المشكلة في العديد من الحالات عبارة عن التباس حرف ساكن بآخر. فإن لم يسفر هذا عن شيء كان يعمد إلى تغيير نقطة أو أكثر ومن بعدُ التحقق من وجود جذر سرياني مشابه لفظًا معقول المعنى.

[14] فإذا لم يحصل بعد هذا كلِّه على حلٍّ، يتحقق مما إذا كانت الكلمة العربية نسخة من تعبير سرياني. وللنُّسَخ هنا معنيان: صرفي ودلالي. النسخة الصرفية هي استعارة تحافظ على بنيان الكلمة الأصلية، لكنْ باستعمال كُلَيْمَات اللغة الهدف. على سبيل المثال، فإن كلمة Fernsehen الألمانية مؤلَّفة من كُلَيْمتَيْ tele وvisio المكوِّنتين لكلمة television الإنكليزية، مترجَمتين إلى مرادفتيهما الألمانيتين. أما النسخة الدلالية فهي تنسب المعنى المستعار إلى كلمة لم تكن تحمله سابقًا، لكنه على كلِّ حال مترادف مع الكلمة الأصلية.

[15] ويعرض لوكسنبرغ في الباب الرابع لتطور الكتابة العربية ولأهميته المحورية في سيرة نقل القرآن، فيبيِّن أنه كانت ثمة في الأصل ستة حروف للتمييز بين نحو ستة وعشرين صوتاً. وقد جرى من بعدُ تدريجيًا التمييز بين هذه الحروف عن طريق نقط تُكتَب فوق كل حرف أو تحته. وقد بدأت الأبجدية العربية المستعملة في القرآن كفنِّ اختزال أو كأداة تذكير ليس المقصود منها أن تكون مفتاحًا كاملاً لأصوات اللغة. ويستنتج لوكسنبرغ أن نقل النص عن محمد لم يكن على الأرجح نقلاً شفويًّا عن طريق الذاكرة، وذلك خلافًا للرأي السائد والمعتمَد في الموروث الإسلامي.

[16] لقد حافظ ذلك الموروث على روايات مختلفة عن النقل الشفوي للقرآن؛ وقد جمعها لوكسنبرغ في الباب الخامس من كتابه. فبحسب الموروث الإسلامي، تم نقل القرآن جزئيًّا عبر سلسلة غير منقطعة من القُرَّاء المعاصرين لمحمد، كابن عباس (المتوفى في العام 692)، وحافظت عليه مرجعيات مبكرة، من نحو أنس بن مالك (المتوفى في العام 709)؛ الأمر الذي يتناقض مع ما ينقله موروث آخر مفاده أن عثمان حصل على "صحائف" القرآن من حفصة أرملة محمد وجمعها في مصحف. لكن ما لا يستطيع الموروث الإسلامي تحديده هو تاريخ "تثبيت" تنقيط الحروف في صورته النهائية، تلك السيرورة التي استغرقت، بحسب بلاشير، ما يزيد عن ثلاثمائة سنة. والسبب في صعوبة اقتفاء تطور القرآن قبل عثمان هو، كما يؤكد الطبري، أن عثمان أتلف كلَّ المخطوطات ذات القراءة المغايرة للنص الخالي من الحركات مما لا يتوافق مع روايته النهائية.

[17] ويورِد لوكسنبرغ في الباب السادس الحديث المأثور عن محمد نفسه والمتعلق بالطبيعة غير المعيَّنة للنص القرآني الخالي من الحركات، وفيه قصتان يرويهما الطبري؛ ولبُّهما أن محمدًا أجاز كلَّ قراءة للنص لا تبدَّل النقمة فيها بشكل فاضح إلى نعمة، والعكس بالعكس. وحجة لوكسنبرغ في ذلك أن هذه القصص اللاحقة قطعًا إنما تعكس ما يُفترَض أنه استذكار باهت لخاصية عدم التعيين في الأبجدية العربية.

[18] ويعرِّج لوكسنبرغ في الباب السابع على كيفية حلِّ الموروث الإسلامي للشكوك، الناجمة عن "مرونة" محمد فيما يتعلق بالنص، التي شاعت بين المفسِّرين الأوائل، فيطبق في هذا الباب طريقته الاستدلالية على القرآن لتبيان أن هذا الأخير يقدِّم الأدلة على أن ما يُعرَف بتقليد القراءات السبع – تلك الأحرف العربية السبعة التي أجازها محمد، اعترافًا منه بتعدد اللهجات العربية – وثيق الارتباط بحروف العلَّة السبع لإسترانجيلي، أي نظام الكتابة الذي طوَّره الناطقون بالسريانية الشرقية؛ إذ يستعمل هذا النظام النقط فوق الحروف وتحتها بما يشبه النقط المستعملة في العربية للتميز بين السواكن. والطبري أيضًا مطَّلع على الموروث الذي مفاده وجود خمس قراءات، تشير، كما يلمع، إلى الحروف الصوتية الخمسة للسريانية الغربية. وهذه الحروف الصوتية الخمسة في السريانية الغربية كانت أصل حروف العلة الثلاثة للغة العربية الفصحى.

[19] ويؤكد ما تبقى من الباب على أسماء العلم ذات الأصول التوراتية في القرآن للبرهان على أن حروف العلة المزعومة – ألف، واو، ياء – لا بدَّ أن تكون متعددة المفعول هي الأخرى. ويشير لوكسنبرغ إلى أن الموروث الإسلامي يقبل قراءة الألف الممدودة /آ/ في بعض الحالات وكأنها /ي/ لأن مثل هذا اللفظ كان خصوصية تميِّز اللهجة المكِّية. كما بيَّن لوكسنبرغ أن مصطلح "حرف" لا بدَّ أن يحمل معنى مرادفًا لكلمة قراءة (بمعنى "طريقة قراءة") وأن هذا لا يعني فقط إضافة حروف العلة إلى نص غير معتلٍّ، لكنه يعني أيضًا إضافة التنقيط الذي يميز الحروف الصحيحة. ولم يتم اعتماد هذا التنقيط إلا تدريجيًّا بحيث آلت الحروف الصحيحة إلى الثبات على قراءة واحدة. وقد انبسطت سيرورة تعيين قيمة كلِّ حرف من أحرف القرآن على ما ينوف على الثلاثمائة عام. وهذا معروف من المخطوطات القرآنية الأقدم التي لا تحوي النقط المميزة للقراءات المختلفة للحرف الصحيح الواحد. ومع شيوع استعمال التنقيط لم يعد المفسِّرون العرب مدركين أن العديد من الكلمات إما ذات أصل آرامي مباشر وإما نُسَخ تتصف بها عربية مكة. من هنا تأتي المصاعب التي واجهت مفسِّري القرآن، بمن فيهم العرب الأوائل منهم.

[20] ويرسم الباب الثامن باختصار الصعوبات التي تواجه المترجم النقدي. ويتفق لوكسنبرغ مع تقويم باريت العام لهذه المصاعب، التي تتضمن العديد من الكلمات والعبارات غير الواضحة، وتفاسير متناقضة في الموروث العربي، وغياب نص مرجعي ذي تنقيط ثابت، كالنص المتوفر للكتاب المقدس العبري. علاوة على ذلك فإن المفسِّرين المسلمين الأوائل حتى منقسمون حول العديد من المقاطع، وكثيرًا ما يقدمون لها العشرات من التفاسير الممكنة، المتنافية والمقبولة جميعًا على حدٍّ سواء في العديد من الحالات.

[21] يناقش الفصل التاسع الطرح، الذي يؤكد عليه القرآن نفسه ويشكل أحد عناصر الإسلام الأساسية، الذي مفاده أن القرآن قد أوحي بالعربية. ويمثل طرحُ أن أصل القرآن، أم الكتاب، الموجود في السماء أو لدن الله، بما هو الصورة البدئية المباشرة والفورية للنص العربي، التحديَ العقائدي الأقوى لما يذهب إليه لوكسنبرغ من أن عربية القرآن لم تكن، إلى حدٍّ كبير، عربية على الإطلاق، أو على الأقل ليس بالمعنى الذي فهمه المفسِّرون العرب. فلغة القرآن هي لهجة قريش، قبيلة محمد، التي كانت مستقرة في مكة. وهذا لا يستبعد الاحتمال القائل بأن هذه اللهجة كانت متأثرة كثيرًا بالآرامية، وبالسريانية بصفة خاصة. ويرى لوكسنبرغ أن المأثور الإسلامي يلمِّح إلى مثل هذا التأثير. فالطبري يتبع الحديث المنسوب إلى محمد "اطلبوا العلم ولو في الصين" ويحضُّ علماء فقه لغة القرآن، أهل اللسان، أن يلتمسوا البرهان الفقهي من أيِّ مصدر كان، بحيث يُفسَّر القرآن للجميع. ويقوم لوكسنبرغ في الأبواب التالية بالحفر في حكمة هذه النصيحة.

[22] ويدخل لوكسنبرغ في الباب العاشر في لبِّ الموضوع عبر تحليل معنى كلمة "قرآن"، فيأتي بالحجة أن كلمة قرآن مشتقة من السريانية قريانا، وهو مصطلح فني مأخوذ من الليتورجيا المسيحية ويعني "كتاب الفصول"، أي القراءات الكتابية الثابتة المستعملة في إقامة رتبة القداس الإلهي على مدار السنة. وهو يستند فيما يذهب إليه على تهجئة الكلمة كما وردت في النصوص المبكرة. فكلمة قريانا كان يكتبها محمد بلا همزة (مدة)، وفق أحد الشهود الأوائل؛ وهذا يعكس، بحسب لوكسنبرغ، أثرًا سريانيًّا. فبحسب الموروث الإسلامي، كانت لهجة محمد تلفظ الهمزة "ضعيفة". وبالفعل كان آراميو سوريا والرافدين المسيحيون من الناطقين بالعربية يلفظون الهمزة بنفس الطريقة، تقريبًا كالـ/ي/. وفوق ذلك فإن المعاجم العربية–السريانية، التي مازالت محافظة على عدة قراءات "جاهلية" للكلمات العربية، تقرأ الكلمة السريانية قريانا كـقرآن و/أو قريان. ويطرح لوكسنبرغ تدرُّج تهجئة هذه الكلمة كما يلي: قريان > قر[آ]ن، مكتوبة بلا ألف، ثم قران بالألف، لتصير في النهاية قرآن بإقحام الهمزة. من هنا لم يعد المفسِّرون مدركين أن الـياء يمكن أن تمثل /آ/، وهو استعمال مبرهن عليه بشكل واسع في كتابة الأفعال المعتلة الآخِر. ويقدِّم ما تبقى من الباب توضيحات لمقاطع أخرى غير واضحة، حيث يعود الغموض إلى نفس الظاهرة، أحيانًا بشكل مباشر، وأحيانًا أخرى مترافقًا مع التباسات أخرى في منظومة الكتابة، كالخطأ في تنقيط التاء أو الياء، ثم تطبيق الاشتقاق نفسه.

[23] ويُختتَم الباب بتبيان أن المعنى الفني لـكتاب الفصول مازال متضمنًا في كلمة قرآن. لكن الأكثر لفتًا للنظر هو نتيجة مفادها أن مصطلح أم الكتاب، الآرامي الأصل، ينبغي أن يكون الأصل المكتوب وأنه لم يكن في النية على الإطلاق استبدال القرآن بالأصل المكتوب. وقد يحتجُّ بعضهم بأن تفاصيل الحجة في سياق قراءة سورتي يوسف 1-2 وآل عمران 7 قد ضُغِطَتْ في هامشين، لكن الحجة بيِّنة مع ذلك. ويقدم لوكسنبرغ البرهان على أن مصطلح قرآن نفسه هو المفتاح لفهم تلك المقاطع الغامضة التي أسقط في يد المفسرين، من داخل الموروث ومن خارجه، وهم يتناولونها. فإذا كانت كلمة قريان تعني "كتاب الفصول"، وإذا كان النص نفسه يدَّعي أنه توضيح لنصٍّ أسبق، فإن النص الأسبق لا بدَّ أن يكون كُتِب بلغة مختلفة. والمرشح الأوحد في حالتنا هو العهدان القديم والجديد باللغة السريانية، الـبشيتا. من هنا فإن لتأثير الآرامية على عربية محمد أصلاً نصيًّا قابلاً للتحديد. ويقدم لوكسنبرغ في نهاية عمله حجة قوية مفادها أن سورة الكوثر إنما هي تلميح واضح إلى بشيتا رسالة بطرس الأولى 5: 8-9. وبالفعل فإن هذه السورة التي لا يتجاوز طولها الثلاثة سطور من أصعب السور على كلا المفسِّرين العرب والغربيين. ويبيِّن لوكسنبرغ السبب في هذا: لأنها مؤلفة من تدوين بالعربية لنصٍّ من العهد الجديد السرياني، بمعنى أن هذه السورة تكاد لا تحوي كلمةً عربيةً واحدة. إنها نصوص "موحى" بها؛ وبمقدار ما يحوي القرآن مقبوسات منها أو تأويلات لها فإن القرآن أيضًا "وحي".

[24] كانت هناك في زمن محمد لهجات عربية عديدة. وفي المواضع العشرة التي يدَّعي فيها القرآن أنه كُتِبَ بالعربية، يبيِّن لوكسنبرغ أولاً أن لتلك المقاطع أشكالاً نحوية مشكلة على المفسِّرين ويختلف تأويلها من مفسِّر لآخر. فهو، مثلاً، يشير في سورة فُصِّلت 44 أن ثلاثي فصَّل العربي يعني "قسَّم"؛ لكن سياق الكلام هنا كان يتطلَّب "ميَّز" أو "أوَّل" أو "ترجم"؛ إذ لا نجد هذا المعنى لهذه الكلمة العربية في أيِّ مكان آخر، كذلك لا تورِد المعاجم السريانية–العربية أيًّا من الكلمتين كترجمة للأخرى؛ ورباعي ترجم (المأخوذ عن السريانية مباشرة) هو الدال على الترجمة بالعربية. غير أن كلمة برش/برِّش السريانية يمكن أن تعني في نفس الوقت "قسَّم" و"ترجم" (ككلمة هبديل العبرية؛ وهذا أيضًا مثال على "نسخة دلالية" أشرنا إليها أعلاه). الطبري كذلك فهم فصَّل وكأنها مرادفة لـبيَّن (سورة الدخان 3)، التي تعني أيضًا "ترجم". إن الآية 44 من سورة فُصِّلت تشهد بوضوح على مصدر للقرآن مكتوب بلغة "أعجمية". وعلى خطى الطبري، يسجِّل لوكسنبرغ وجود خلل في نص هذه الآية يبيِّن وجود أصل غير عربي لأجزاء من القرآن. وحجته هنا ضعيفة بعض الشيء، لولا البراهين الإضافية المستنتَجة من أحد عشر موضعًا أخرى من القرآن، حيث طبَّق لوكسنبرغ هذه الحجج عينها وحججًا أخرى مشابهة تطبيقًا متماسكًا في حلِّ مصاعب تدور جميعًا حول المصطلحات المتصلة بوحي القرآن ولغته. وهذه الحجج تترك القليل من الشك في أن لوكسنبرغ كشف الغطاء عن سوء فهم أساسي لهذه المصطلحات ضمن سياقها القرآني.

[25] ويبيِّن لوكسنبرغ في الباب الثاني عشر أنْ ليس أصل القرآن ولغته وحدهما يختلفان عما يدَّعيه المفسِّرون الذين كتبوا في الأمر بعد انقضاء مائتي سنة على الشروع فيه، إنما أيضًا أن العديد من المقاطع الأساسية يتضمن كلمات أو عبارات تمت استعارتها من السريانية إلى العربية. ففي تحليله لسورة مريم، الآية 24، حيث جاء: "فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربُّك تحتك سريَّا"، يستنتج أن هذه الآية يجب أن تُقرأ كما يلي: " فناداها من فور أن انطرحت [لتضع] ألا تحزني قد جعل ربُّك وضعك شرعيَّا". إن نقاش لوكسنبرغ المسهب لتعقيدات هذا المقطع يحلَّ الصعوبات النحوية للعربية بطريقة تتناسب مع سياق الكلام: يسوع ينفح في مريم الشجاعة على مواجهة أقربائها، على الرغم من وضعها طفلاً خارج الزوجية. ثم يقدم هذا الفصل حججًا مطوَّلة تتناول مشكلات مفرداتية وقواعدية وتركيبية ونظمية في سورة هود 116-117.

[26] ويقدَّم الباب الثالث عشر الدليل على وجود قواعد صرفية آرامية في نحو القرآن. فالأمثلة على عدم التطابق النحوي في التذكير والتأنيث (كوجود فاعل أو اسم مؤنث مع فعل أو مقيِّد مذكر) ظهرت لأن الأشكال السريانية المؤنثة أسيئت قراءتُها كصفات خبرية مفردة مذكرة في محلِّ نصب أو أسماء فاعل (أو مفعول) عربية، حيث الاسم المتعدِّي فاعل مؤنث. ففي السريانية تتخذ الصفات الخبرية أو أسماء الفاعل (أو المفعول) دومًا الصيغة المطلقة (الصيغة الخبرية). فالصيغة السريانية المؤنثة المفردة، مدوَّنةً إلى العربية، مطابقة لصيغة النصب المفردة المذكرة العربية الأصيلة. وهذه الظاهرة شائعة جدًا في القرآن (مثلاً في سورة مريم 20، 23، و28). وكانت الحجة التي طرحها العديد من المفسِّرين لتفسير هذه الشذوذات هو أنه تمَّت التضحية بقواعد الصرف للحفاظ على إيقاع الآية. ويبيِّن لوكسنبرغ ضعف هذه الحجَّة من خلال تبيان كيف تمت، في العديد من الحالات، التضحية بالإيقاع من أجل تأدية قاعدة صرفية (مثلاً في سورتي الأحزاب 63 والشورى 17). علاوة على ذلك، على الأقل في حالة واحدة تتعلَّّق بتركيب شاذٍّ لجملة في سورة مريم 32، نلحظ أن الترتيب السليم نحويًّا للكلمات كان من شأنه أن يتطابق مع الإيقاع. وفي المواضع التي تقابل فيها صيغة المذكر صيغة مؤنثة أدرك لوكسنبرغ أن الناسخ حذف "المفعول به المفرد المذكر"، جاعلاً منه صفة خبرية، بدون أن يلاحظ أن الصفة صفة سريانية خبرية مؤنثة مدوَّنة في العربية. وما يؤيد كون هذه الصيغ الخبرية/المطلقة، كما وردت في القرآن، صيغًا سريانية أن العربية استعارت دومًا الأسماء والصفات السريانية في صيغتها المطلقة وليس في صيغتها المبالغة ("غير المقيدة" أو "المعجمية")؛ مثلا:ً الله > إلاها: الحالة المطلقة إله؛ وكذلك قريب > قريبا: الحالة المطلقة قريب. ويبرهن لوكسنبرغ عندئذٍ أن فقدان تاء التأنيث في عربية القرآن إنما يعود لنفس الظاهرة. ويتبيَّن أن العديد من القواعد الصرفية العربية، كما وضعها أوائل النحويين العرب لتفسير هذه الحالات الشاذة، قد وُضِعَت لهذا الغرض بالذات، وقد كتبها أناسٌ لم يعودوا يفهمون اللغة الأصل التي كُتِبَت فيها. وينال المصير نفسه ما اصطُلِحَ على تسميته التمييز، الذي يتطلب وضع الاسم في العدد التسلسلي + الاسم في المفعول به المفرد. ويبين لوكسنبرغ أن الاسم في جميع الحالات هو حقًّا اسم سرياني مذكر بصيغة الجمع، حيث للأسماء المذكرة في صيغتي المفرد والجمع في السريانية التهجئة نفسها.

[27] ويكتشف المرء في الباب نفسه كيف أساء المفسِّرون اللاحقون قراءة الجذور السريانية وحرَّفوها. ففي إحدى هذه الحالات نجد أن كلمة جو (سورة النحل 79) مقروءة خطأ بمعنى "الهواء المحيط" هي، في الأصل السرياني جَوْ، التي تعني في آنٍ معًا "الدخيلة" أو "الباطن" والتي يمكن أن تستعمل أيضًا كحرف جر يعني "داخل". ويبيِّن لوكسنبرغ في سورة النحل 79 كيف أن استعمال المفردة كحرف جرٍّ أكثر منطقية من الحلِّ الذي طرحه المفسِّرون. لكن قواعد العربية الفصحى، التي وُضِعَتْ بعد ما يقرب من الثلاثمائة سنة بعد القرآن، لا تتذكر معنى الكلمة كحرف جر، وإن بقيت بعض اللهجات العربية المحلية تستعمل الكلمة في أصلها السرياني كحرف جر. وهكذا عندما نقرأ الآية 79 في سورة النحل "في جَوِّ السماء" للإشارة إلى الطير التي تبقى "مسخَّرات... ما يمسكهنَّ إلا الله" فإن اللهجات المحلِّية تُجمِع على أن "في جَوَّا البيت"، بمعنى "في داخله"، لغة عربية سليمة. إن سوء قراءة المفردة القرآنية العربية جَو بوصفها "هواء" صار اليوم جزءًا من المصطلحات الفنية للعربية الفصحى المعاصرة، حيث يقال "البريد الجوي" والقوى الجوية" و"الخطوط الجوية" و"النشرة الجوية"، وكلهُّا يستعمل جَو. وهكذا فإن المعنى الذي تخيَّله النحاة هو الذي مازال حيًّا.

[28] ويرينا لوكسنبرغ أخيرًا صيغًا فعلية عربية ناتجة من دمج جذرين سريانيين متمايزين. وهو يفصِّل حجَّته التي نكتفي منها هنا بالإشارة إلى أن الالتباس يتأسَّس على لفظ مصدره السريانية الشرقية. فمعنى الفعل سخَّرَ يقابل، أحيانًا، كلمة شخَّر السريانية التي تعني "لام" أو "وبَّخ"، وأحيانًا أخرى، شَوخَر بمعنى "أعاق" أو "منع". وقد حصل الالتباس لأن الكلمة السريانية شَوخَر كانت تُلفَظ في السريانية الشرقية والمندائية كـشَاخَر أو شَخَّر.

[29] يناقش الباب الرابع عشر موضوع سوء فهم العبارات الاصطلاحية العربية المنسوخة عن عبارات آرامية. وينظر لوكسنبرغ في سورة الإسراء 64 حيث جاء: "واستفزِزْ من استطعتَ منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعِدْهم ما يعدُهم الشيطان إلا غرورًا" (ص 217)؛ إذ يدلُّ الجمع الغريب بين الاستفزاز وحالة الحصار على خطأ في القراءة. والعربية في حالنا هي التي أسيئت قراءتُها، تلك العربية التي تترجم حرفيًا عبارات سريانية. فبحسب تحليل لوكسنبرغ ينبغي أن تُقرأ هذه الآية كما يلي: "واغْوِ من استطعت منهم بصوتك وفُقْهُم حيلة وكذبًا وخداعًا واغْرِهم بالمال والأولاد وعِدْهم ما يعدُهم الشيطان إلا باطلاً" (ص 220).

[30] إن المناغمة بين المقاطع التي يجمعها الموضوع يشكِّل وجهًا آخر يدل على الصعوبة النصية للقرآن. يفحص البابان الخامس عشر والسادس عشر عما يمكن أن ينجم عن سوء قراءة إحدى الآيات من تداعيات تؤدي لسوء قراءة مطابِقة في مجمل النص، ليس على أساس التشابه في القواعد أو المفردات، بل لأن الآيات المبعثرة تلمِّح إلى مفهوم واحد. ويعالج لوكسنبرغ في الباب الخامس عشر موضوع "الحور العين" وفي الباب السادس عشر موضوع "الولدان"، فيأخذ سورة الدخان 54 منطلَقًا للنقاش. وقد جاء في هذه السورة: "كذلك وزوَّجناهم بحورٍ عِينٍ". فالفعل زَوَّجَ بمعنى "النكاح" أو بمعنى "قرن بهيمتين للتسافد" هي من أخطاء إبدال الزاي راءً، من جهة، والجيم حاءً، من جهة أخرى (وكلا الحرفين لا يتميز واحدهما عن الآخر إلا بالنقطة)، فنحصل على رَوَّحَ بمعنى "أراح" أو "أنعش" بدلاً من زَوَّج، حيث المفعول بهم هم المتَّقون. أما الاستنتاج الرئيسي لهذا الباب فهو أن تعبير "حور عين" يعني "[جفنات] بيض وجواهر [من بلور]"، وليس "نساء بيض واسعات الأعين" (سور الدخان 54 وسورة الطور 20). فقد فحص لوكسنبرغ أولاً بعناية عن كلِّ مكوِّنات هاتين السورتين، ولاحظ أن القرآن يذكر أنواعًا أخرى من الثمار في الجنة، وتحديدًا النخل والرمَّان (سورة الرحمن 68)، إضافة إلى الأعناب (سورة النبأ 32) التي ذُكِرَت أيضًا عشر مرات في سياق الكلام على ثمار الجنَّات "الأرضية". وبما أن الفقهاء الأوائل يعلمون أن القرآن يستعمل الكلمة السريانية جنتا > جنَّة للدلالة على الجنَّة السماوية، فإن العنب ينبغي أن يكون ثمرة الجنة بامتياز (ص 234). فلِمَ، إن كانت هذه هي الحال، لم يُذكَر العنب ضمن ثمار الجنَّة "السماوية" إلا مرة واحدة فقط؟

[31] للإجابة على هذا الأمر، استند لوكسنبرغ على الفقه الأسبق، وتحديدًا على فقه تور أندراي وإدموند بِك، مبينًا وجود علاقة ما بين صور حدائق جنة الفردوس في القرآن وأناشيد أفرام السرياني التي عنوانها في الجنَّة. فقد لاحظ أندراي أن كلمة حور مشتقة، أغلب الظن، من كلمة سريانية تعني بيض، لكن الهدف من حلَّه كان القول بأن الاستعمال القرآني مجازي نوعًا ما. فلا هو ولا بِك اعتبرا في حينه أن كلمة حور العربية بمعنى "عذارى" كانت ناجمة عن سوء فهم المفسِّرين.

[32] يستعمل أفرام كلمة جُبْنا، "الكرمة"، المؤنثة نحويًّا، التي تتفق مع كلمة حور؛ ومنها استنتج أندراي أنها، كما وردت في القرآن، مجازٌ المقصود منه "حور الجنَّة". لكن مفاد حجة لوكسنبرغ بخصوص سورتي الدخان 54 والطور 20 أنه بدلاً من المفرد عين ينبغي قراءة الجمع عيون، مشيرًا إلى عناقيد الكرمة. والقرآن في أماكن أخرى يشبِّه الجفنات بـ"اللآلئ"؛ فلا بدَّ أن تكون بالتالي "جفنات بيض"، الأمر الذي لا يتضح من النص للوهلة الأولى. ثم يقدم لوكسنبرغ تنويعين لقراءة هذه العبارة: القراءة الأولى تترجم الجملة "[جفنات] بيض بلورية"؛ والقراءة الثانية – وهي التي يتبناها لوكسنبرغ – هي "[جفنات] بيض [كـ]ـجواهر البلور". وبذلك نقرأ الآية المرمَّمة: "كذلك روَّحنا [عن المتَّقين في الجنة] بـ[ـجفنات] بيض [كـ]ـجواهر البلور."

[33] ومن الأمثلة العددة ذات الصلة في الفقرات من 15–2 إلى 15–9، يتابع لوكسنبرغ عذارى الجنة في القرآن. ففي الفقرة 15–2، يلاحظ لوكسنبرغ أن كلمة أزواج يمكن أيضًا أن تعني "أنواع" (سور البقرة 25 وآل عمران 15 والنساء 57). وتبدو مثل هذه القراءة أكثر منطقية حيث تصير: "فيها أنواع [ثمار) مطهَّرة." ويربط لوكسنبرغ هذه القراءة بسوء فهم زوَّج في سورة الدخان 54، فيجد أن الخطأ في تأويل آية ينسحب على آيات المضمون الثيمي ذي المتات في أخرى. والمحاججة قوية كذلك في الفقرات الأخرى. ومن الملفت فيها المناقشة في الفقرتين 15–5 و15–6 المعقودة على الآية 56 من سورة الرحمن والآيات 70 و72 و74، على التوالي، حيث جاء، إشارة إلى عذارى الجنة، اللواتي "لم يطمثهنَّ إنس قبلهم ولا جان". بدلاً من ذلك، تتكلم هذه الآية على جفنات الجنة التي "لم يدنسهنَّ إنس قبلهم ولا جان". ويشير لوكسنبرغ إلى أن الآية 72 من سورة الرحمن تقيم دليلاً آخر على التوازي القرآني مع أناشيد أفرام، الذي كتب أن جفنات الجنة مثقلة بـ"العناقيد المتدلية".[9]

[34] ويتابع الباب السادس عشر هذا التحرِّي، مشيرًا إلى سوء قراءة مماثل تلتبس فيه جفنات الجنة بـالوِلْدان (بمعنى الشبان اليافعين). فقد جاء في سورة الإنسان 19: "ويطوف عليهم ولدانٌ مخلَّدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤًا منثورًا". وكلمة ولدان هنا كلمة عربية صحيحة، لكنها مستعمَلة بمعنى مستعار من كلمة يلدا السريانية، وذلك لأن "ولدانًا" كاللؤلؤ عبارة مشكوك فيها بعض الشيء، وخاصة إذا اعتبرنا أن "اللؤلؤ" كناية عن عناقيد الجنة، كما تبيَّن من الفقرة السابقة. وقد بيَّن لوكسنبرغ أن في السريانية تعبيرًا هو يَلدا دَجْـبِـتَّـا، بمعنى "ابن الكرمة"، كما جاء في البشيتا: متى 26: 29، مرقس 14: 25 ولوقا 22: 18، حيث يتنبأ المسيح بموته وقيامته: "الحق أقول لكم إنِّي لا أشرب بعدُ من وَلَدِ الكرمة (يَلدا دَجْـبِـتَّـا بالسريانية) هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه جديدًا في ملكوت أبي." وهنا عصير العنب هو الـ"ولد". إن مادتي كلٍّ من يَلدا وجبِـتَّـا في المعاجم العربية–السريانية تعطي على التوالي، بالإضافة إلى "ولد" و"كرْم"، "ثمرة" و"خمرة". ويقدم لوكسنبرغ دلائل إضافية، من سور الصافات 45 والزخرف 71 والإنسان 15، على أن وصف عناقيد الجنة في نشيد أفرام السرياني هو المنهل الذي نهل منه النصِّ القرآني الأصلي.

[35] ونجد في الباب السابع عشر تأليفًا لتقنيات ومكتشفات الدراسة السابقة وتحليلاً لسورتين كاملتين: سورة الكوثر وسورة العلق، اللتين يقدِّم لوكسنبرغ لكلٍّ منهما تفسيرًا وترجمةً كاملين. وقد قدمنا أعلاه نبذة عن سورة الكوثر. لكن تحليل الآيات التسعة عشر لسورة العلق جميعًا يغطي ما يزيد عن 22 صفحة. ونجد بين الحلول العديدة التي يقدمها هذا الباب أن الحرف أ الذي حيَّر المفسِّرين والنحاة هو في الحقيقة كلمتين مختلفتين: الحرف السرياني أَو بمعنى "أو" والحرف السرياني إين بمعنى "إنْ" أو "حين". وبالجواز هنا عن تفاصيل المحاججة نقول إن هذه السورة يجب أن تُقرأ كدعوة للاشتراك في صلاة طقسية وأنها تحمل "طابع مطلع مسيحي–سرياني، استُبدِلَت به الفاتحة (من السريانية بتاخا) في تقليد لاحق". وهذه ليست مجرد ليتورجيا عادية، بل هي القداس الإلهي، الاحتفاء القرباني المقدس، كما يتبيَّن من إعادة لوكسنبرغ صياغة الآيات 17-19 من سورة العلق: "فليَدْعُ [الذي "كذب وتولَّى"] معبوده [عندئذٍ] سندعُ الزبانية كلا لا تطعْه واسجد واقترب [تناول القربان]" (ص 296). وهذا جدير بالانتباه لأن هذه هي أقدم السور بحسب الموروث الإسلامي، وهي تكشف عن جذور مسيحية–سريانية. كذلك يبيِّن لوكسنبرغ أن مصطلحات قربانية وثيقة الصلة، كالتي في سورة العلق (جزنا عن البراهين عليها في هذه المراجعة)، تلمِّح أن الآيتين 114-115 من سورة المائدة تشيران إلى القداس القرباني المقدس (وليس إلى العشاء الأخير وحسب). لكن دليلاً إضافيًا للتأكيد على صحة هذه القراءة إنما يأتينا من مقطع شعري للشاعر الجاهلي العربي المسيحي عدي بن زيد الذي وصلتنا نبذة عنه في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني (توفي عام 967). أما الباب الثامن عشر فهو خلاصة شاملة وجيزة تُختتَم بها الدراسة.

[36] إخراج الكتاب من حيث النوعية إجمالاً جيد. هناك بعض الأخطاء المطبعية، بما فيها ترقيم بعض الفقرات (في الصفحتين 237 و239 مثلاً)، والقليل جدًّا من الأغلاط النحوية. كذلك يتسبب إخراج الصفحة أحيانًا في صعوبة القراءة. وهذا يعود جزئيًا إلى طبيعة الدراسة، التي تتطلب أبجديات عربية وسريانية ومندائية ولاتينية تتقاسم المساحة في هوامش ومقبوسات في المتن من المصادر.

[37] ويفتقد عمل بهذا المدى، يقدم الأشياء مجتزأة، بالضرورة إلى تماسك الدراسة الكاملة وأناقتها. لكن ما يترتب عنه يظل مع ذلك واضحًا: لا بدَّ لأية دراسة علمية مستقبلية للقرآن أن تأخذ هذا المنهج بعين الاعتبار. فحتى إذا اختلف العلماء على النتائج فإن المنهج الفقهي اللغوي منيع؛ إذ وضع منهجًا يختلف جوهريًّا عن تقاليد التفسير التي يعتمدها المفسِّرون العرب والغربيون. فلقد زعزع لوكسنبرغ النظرة إلى القرآن بوصفه نصُّا "نقيًّا"، نصًّا خالصًا من الصعوبات اللاهوتية والفقهية اللغوية التي تتخلل تاريخ نقل النصوص، أي التوراة العبرية برواياتها المختلفة.

[38] تبقى نقطة تساؤل مركزية يثيرها هذا البحث تتعلق بدافع عثمان إلى الإعداد لهذه النسخة المنقحة للقرآن. يورِد لوكسنبرغ الحديثين اللذين يرويان كيفية حصول عثمان على المخطوط الأول. فإذا كان تحليل لوكسنبرغ، حتى في خطوطه العريضة، صحيحًا فإن مضمون القرآن كان مختلفًا جدًّا أيام محمد وتحرير عثمان قد لعب آنذاك دورًا في سوء قراءة عدد من المقاطع الأساسية. فهل كانت إساءة القراءة مقصودة أم لا؟ وهذا التشوه في القراءة عمومًا يحوِّل القرآن من كتاب متجانس إلى هذا الحدِّ أو ذاك مع العهد الجديد والليتورجيا المسيحية السريانية إلى كتاب متمايِز من أصل مستقل.

[39] نأمل صدور ترجمة إنكليزية لهذا الكتاب سريعًا. لكنْ رغم قناعتنا بما سيُحدِثه هذا الكتاب من ثورة رصينة فإننا لسنا من السذاجة بحيث نعتقد بأن جميع الاختصاصيين في الإسلاميات في الغرب سينهضون ويستجيبون مباشرة لما يطرحه مثل هذا العمل من تحديات علمية. لكن كما واجهت المسيحيةُ تحدياتِ القرنين التاسع عشر والعشرين الآتية من الفقه الكتابي والليتورجي، كذلك سيستفيد فقهاءٌ في الإسلام جادون، من كلا الشرق والغرب، من الاختصاص الذي افتتحه لوكسنبرغ.

*** *** ***

ترجمة: أكرم أنطاكي وديمتري أفيرينوس





* كريستوف لوكسنبرغ، قراءة سورية-آرامية للقرآن: مساهمة في تحليل اللغة القرآنية، برلين، ألمانيا: الكتاب العربي، الطبعة الأولى، 2000.

** نلفت هنا نظر القراء إلى أن فريق معابر لا يملك التأهيل العلمي الكافي لإطلاق حكم ذي وزن على كتاب د. لوكسنبرغ. لكننا، مع ذلك، ارتأينا نشر هذه الدراسة القيمة عنه نظرًا لأهمية المنهج المعمول به الذي لا يتناقض، في التحليل النهائي، مع مناهج التفسير المعمول بها في مدارس الفقه الإسلامي، على اختلاف مشاربها (باستثناء التفاسير الصوفية التي تعتمد الخبرة الداخلية مرجعية أخيرة)، كونها تعتمد قواعد نحو اللغة العربية وصرفها أساسًا للتفسير. (المحرِّر)

[1] أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل القرآن (القاهرة، طب 3، 1968).

[2] أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرَّم الإفريقي المصري ابن منظور، لسان العرب (بيروت، 1955).

[3] ريتشارد بِلْ، القرآن: مترجمًا مع إعادة ترتيب نقدية للسور، ج 1 (إدنبره، 1937)، ج 2 (إدنبره، 1939).

[4] ريجيس بلاشير، القرآن (مترجمًا عن العربية)، (باريس، 1957).

[5] رودي باريت، القرآن: ترجمة (شتوتغارت، برلين، كولن، ماينتس، طب 2، 1982).

[6] ر. باين سميث، محرِّر، المعجم السرياني، ج 1 (أوكسفورد، 1879)، ج 2 (أوكسفورد، 1901).

[7] كارل بروكلمان، المعجم السرياني، (هالِّه في سكسونيا، 1928).

[8] جاك أوجين مِنَّا، المفردات الكلدانية–العربية (الموصل، 1900)؛ أعاد طباعته مع فهرست جديد روفائيل ج. بداود (بيروت، 1975).

[9] لا يحيل لوكسنبرغ إلى المرجع في أفرام بل يقبس عن كتاب:

Des heiligen Ep


Home | Make a FriendPage! | Member Login | Browse Pages | Help

Copyright © 1998-2009 Friendfinder,Inc. All rights reserved.
Friendpages is a trademark of Friendfinder,Inc

[Terms of Use] [Privacy Policy]